الرئيسية / مقالات / اللذة الحقيقية..

اللذة الحقيقية..

كل لذة تنتهي بالإنسان إلى ضعفها من الآلام والندم إذا ما أفرط واستسلم وسلم لها، وهذا لأن من طبيعتها أنها تأخذ بتلابيب الملتذ حتى تخرجه عن حد الإعتدال وترمي به مستلطنة في ضياع ومن ضياع إلى ضياع، وحتى نعي هذه الحقيقة الخطيرة لا بد لنا من الإلتفات إلى أن اللذة طفرة شهوية إن لم يكبح جماحها وتلجم بحسم وحزم فإن لها سلطان عجيب تتوارى أمامه الإرادة منكسرة آسفه..

يقبل الواحد منَّا على (لذيذ) الطعام فيشمر ويبدأ متبركًا باسم الله الرحمن الرحيم لينطلق المشوار.. مشوار (لذة) ينتهي به إلى تخمة وضيق في التنفس وتأفف ومزاج متعكر..

لن أطيل الكلام في أنواع الشهوات التي سرعان ما تنقلب ندامات فهي كثيرة وكثير منا خبير بها..

لذة واحدة ليست كباقي اللذات.. إنها لذة من نوع آخر تأخذ الإنسان إلى عالم مختلف يشعر فيه بطاقات العطاء تتفجر في داخله وتعلو وجهه ابتسامة وكأنها ابتسامة المنتصر الظافر بالخيرات والغنائم.. لذة لا يصفها إلا شاعر مصقع تتراقص القوافي بين أنامل شفتيه سيالة من مشاعر.. ليست كالمشاعر..

عندما يمسك الإنسان بناصية المعلومة لتتحول في داخله إلى معرفة جديدة تفتح له آفاق العلم والفهم عن وعي وإدراك، هي والله اللذة الحقيقية على طريق ملؤه الخير والبركات، و”العلم نور يقذفه الله في قلب من أحب”..

يا لها من كلمة عظيمة.. (العلم نور)، وأي نور يا ذوي الألباب.. نور جعل مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء الذين يقول الله تعالى فيهم (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)، ولذلك فإنك تشعر بحالة من النشوة الرائعة عندما تقرأ في أحوال العظماء الأجلاء من علمائنا الأعلام مثل: الطوسي.. المفيد.. الحلي.. ابن ميثم البحراني.. الحدائقي البحراني.. الوحيد البهبهاني.. السيد بحر العلوم.. كاشف الغطاء.. وغيرهم ممن لم يرفعهم في العالمين منصب دنيا أو مال أو وجاهة ملبس ومركب، بل رفعهم علمهم في عليين حتى يؤذن بالقيام من رب العالمين سبحانه وتعالى..

وليس ليقف الأمر عند علماء المسلمين فقط، بل أنك لو تتأمل التصاوير التخيلية لعلماء الإغريق والهند والصين، وحتى علماء المادة من المتأخرين فإنك تلمس في نظراتهم ونضارة تطلعاتهم قوة معنوية غريبة لها تأثيرها الإيجابي العجيب في نفس كل محب للعلم والعلماء..

دعني أخبرك بأمر غاية في الروعة..

هل تريد صحبة المعصومين من آل محمد (صلى الله عليه وآله) بما يقارب مصاحبة عمار والمقداد وسلمان لهم؟

هل تسعدك مصاحبة الطوسي والمفيد والحلي والأنصاري والهمداني والخوئي والشيرازي؟

ما رأيك بمصادقة أفلاطون وديكارت.. ما رأيك أن تكون صديقًا لفهمي هويدي أو علي شريعتي؟

أخبرك أيها القارئ الكريم بأنك تتمكن من ذلك، بل هو تحت خيارك 100%.. إقرأ لهم وناقشهم في آرائهم واكتب عن نظرياتهم بعد دراستها وبحثها جيدًا تكن صاحبهم ومصاحبهم وصديقًا لهم..

عش بين الكتب فإنها بساتين تبقى غناء حتى وهي مهجورة، بل والعجيب أن الكتاب كلما قدم ومضى عليه الدهر كلما أصبح غاليًا نفيسًا تتبع عيون العلماء أخباره من مكان إلى مكان، فيا لها من حياة رائعة أن يعشق الإنسان العلم ويتعلق بأذيال المعرفة طلبًا لصدرها الواسع وقلبها الحنون..

وفي الختام أذكر القارئ الكريم بأنه ما من حضارة قامت إلا وكان أساسها ومنطلقها نظريات العلماء وتقريرات الفلاسفة..

 

السيد محمد علي العلوي

19 ذو القعدة 1433هـ / 6 أكتوبر 2012م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *