الرئيسية / مقالات / في حرمة الدم..

في حرمة الدم..

أولى الشارع المقدس عناية بالغة بأمرين اثنين لا يتهاون في وجوب حفظهما ولا يعذر من ينتهك حرمتهما، الفروج والدماء..

أما الفروج فقد نهى عن (نظرة) الشهوة لأنها انتهاك بصري من جهة، ومن جهة أخرى هي مما يمكن قويًا أن تكون مقدمة لحرام أكبر فأكبر ينتهي إلى استباحة فرج –والعياذ بالله- (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)..

أوليس إبداء المرأة زينتها حرية شخصية خاصة تكفلها له الحريات في الأعراف (المدنية)؟

نعم، هو هكذا لأن العرف (المدني) أعمى ولا ينظر إلى الإنسان إلا على اعتباره آلة أو بتعبير أدق (بقرة) يستحلبها حتى تتعب وتعلو عظامها على جلدها وتحال على (التقاعد) ولا يكون لها حينها غير علفها حتى تصل إلى قطعة كفن ترتمي في بطنها وينتهي الأمر.

أما إسلامنا العظيم فنظرته إلى الإنسان نظرة مختلفة تكاملية لا ترقى إليها حسابات الأرض ومعايير الدنيا، فالإنسان في الإسلام كائن محوري يؤثر خلقه ومزاجه وسلوكه وعلاقاته الإجتماعية وتربيته في الأرض والسماء (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ)، فالشارع المقدس عندما يحرم على المرأة أن تظهر زينتها لغير من أحل الله لها من الرجال، وعندما يأمرها بالحجاب وإرخائه على جيبها فإنه في الواقع يعطيها دورًا رئيسيًا في إدارة المجتمع إدارة حقيقية واقعية، فهي إن أقامت الحجاب صورة وموضوعًا ومضمونًا كانت سببًا مباشرًا وغير مباشر في عصمة العشرات من الرجال وانقاذهم من حبائل الشيطان الرجيم (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا).

ثم أنه شدد كثيرًا في قضايا التهمة وقرر عدم التسامح مع من يتهم إمرأة في شرفها دون أن يقدم بينة شرعية واضحة لا شبهة فيها (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، ويشترك في شهادة كل واحد من الأربعة أن تكون موضوعية تمامًا وإلا فلا يؤخذ بكلامه. هكذا هو الإسلام العظيم دين تكامل ونقاء وعزة وشرف.

أما في دم الإنسان فقد قالها المولى صريحة في كتابه العزيز (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ)، إذ أنه من طبيعة القتل وإراقة الدماء أنها تورث العداوات ليس في حدود مساحة زمنية واحدة فحسب بل أنها تتوارث في أجيال حتى تصبح سمة في العلاقة بين قبيلتين أو حتى بلدين، ولكن النهي عن القتل وإراقة الدماء مطلقًا من الواضح أنه يؤدي إلى ما يؤدي إليه نفس القتل الإبتدائي، فمسألة أن يتعدى إنسان وينتهك حرمة دم إنسان آخر ثم يترك لحرمة إراقة الدماء فهذا فساد في أصل الملاك –إن عُدَّ- ملاكًا، وللدقة في التوجيه قيد المولى تبارك ذكره الحرمة بعبارة واضحة (بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ)، وعليه فإن الذي يقتل نفسًا بنفس أو لفسادها في الأرض فسادًا يقتضي تصفيتها تصفية شرعية فهو فتل (بـ) نفس القتل ونفس الفساد، أي أن الذي يقتلها هو جريمة القتل التي ارتكبتها أو جريمة الفساد في الأرض التي مارستها، ولأن قضية الدماء قضية خطيرة فإن إمضاء الحكم الإلهي لم يخص به غير الحاكم الشرعي (المعصوم عليه السلام أو من ينوب عنه شرعًا)، وهذا في قضايا الحدود والقصاص عمومًا.

وأما في الحروب والمواجهات بين الحق والباطل –ولخطورة قضية الدماء في الإسلام- فإن الشارع المقدس اشترط في الإبتداء حضور أو إذن المعصوم (عليه السلام) أو من ينوب عنه شرعًا، فقضية الدخول مع الباطل في مواجهة جهادية تسفك فيها الدماء ليس بالأمر الهين كما هو واضح، فالقضية تجر من ورائها قضايا قد لا تكون اللاحقة فيها بأهون من السابقة، وقد فرغ الفقهاء من مناقشة هذه المسألة متسالمين –أو شبه متسالمين- على حرمة الجهاد الإبتدائي (جهاد السيف) إلا بإذن الفقيه الجامع للشرائط، وأما في رد المعتدي وحماية الأعراض فينتفي الإطلاق ويرتفع التساوي بين الدماء، ولذلك نقف على استغراب واستنكار من أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما وجد قومه مستسلمين..

وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى المَرْأَةِ المُسْلِمَةِ، وَالاْخْرَى المُعَاهَدَةِ فيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَقُلْبَهَا وَقَلاَئِدَهَا، وَرِعَاثَهَا ما تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلاَّ بِالاسْتِرْجَاعِ وَالاِسْتِرْحَامِ ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ مَا نَالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمٌ وَلاَ أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ، فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِن بَعْدِ هَذا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً، بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً. فَيَا عَجَباً! عَجَباًـ وَاللهِ ـ يُمِيتُ القَلْبَ وَيَجْلِبُ الهَمَّ مِن اجْتِماعِ هؤُلاَءِ القَوْمِ عَلَى بَاطِلِهمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ! فَقُبْحاً لَكُمْ وَتَرَحاً حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاًةك يُرمَى، يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَلاَ تُغِيرُونَ، وَتُغْزَوْنَ وَلاَ تَغْرُونَ، وَيُعْصَى اللهُ وَتَرْضَوْن”.

يفترض الإمام (عليه السلام) أن رد المعتدي وإراقة دمه “مَا نَالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمٌ وَلاَ أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ” في موارد مثل هذه حَقٌ مكفولٌ طبيعيًا بل هو مما تقتضيه المروءة، ولو أن الأمر على خلاف ذلك لكان عذر القوم في عدم الرد متحقق بعدم حصول الإذن.

وإن قيل بأن إراقة الدم مشروطة بتشخيص المعتدي شخصًا ولا يمكن إشاعة الحكم في المجموع، فالجواب من القرآن الكريم وهو قوله تعالى (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ).

أولًا: الآية في الجهاد الدفاعي، ولم تشترط فيه إذن المعصوم (عليه السلام) بل أن الظاهر هو التكليف المباشر من الله سبحانه وتعالى (وَقَاتِلُواْ).

ثانيًا: (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) وليس (الذي يقاتلكم منهم)، أو (من يقاتلكم منهم)، بل (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) أي من يقبل عليكم مقاتلًا فردًا أو جماعة، فإن كان فردًا فهو، وإن كانوا جماعة وعرفت نية القتل ولم يظهر من مجموعهم الردع عنه فهم (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ)، فيكون الخطاب للؤمنين (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) مع التشديد على (وَلاَ تَعْتَدُواْ)، إذ أن الإذن بالجهاد والسماح بإراقة الدماء ضرورة والضرورات تقدر بقدرها، ولذلك فإن حدود الجهاد الدفاعي ارتفاع ما يقتضيه وهو (يُقَاتِلُونَكُمْ).

بلى، فالدماء من حيث هي دماء بشر متساوية في حرمتها ولا يحق لكائن من كان أن يتعدى على إنسان بالضرب ناهيك عن إراقة الدم والقتل، ولكن هذه الحرمة مقيدة بعدم الإبتداء، وإلا فحق الرد مكفول عقلًا ولو من باب (وجوب دفع الضرر المحتمل)، ولا مورد في هذا المقام لتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام، إذ ان الضرر في (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) عام أصلًا.

والخلاصة: أن أصل التساوي في الدماء يرتفع بمجرد تحقق الإعتداء، وكل اعتداء بحسبه كما هو واضح.      

 

السيد محمد علي العلوي

11 ذو الحجة 1433هـ / 27 أكتوبر 2012م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *