الرئيسية / مقالات / تعلقنا بالحسين (عليه السلام).. وثبة أم نكبة؟

تعلقنا بالحسين (عليه السلام).. وثبة أم نكبة؟

18

التجرد العقلي ممكن في البحوث العلمية عندما يكون المبحث في الكلام أو الفلسفة أو المنطق؛ إذ أن طبيعتها البحث في الأشياء بما هي هي مجردة من كل عارض ممكن، ولكن هذا التجرد تأباه الطبيعة التكوينية لكل من العقل وما يقع عليه النظر؛ فالدنيا مركبة بحيث أن المركب في نفسه وبما هو مركب يعطي الصورة العلمية المطلوبة للعقل النظري والعملي، وعليه فإن التجرد لا مكان له في الواقع العملي، هذا مع الإلتزام بأهميته على المستوى النظري وفي مقام التفكيك والتحليل طلبًا للفهم الأولي والبناء الصحيح للأفكار.

الإنسان من المركبات المحورية في هذا الوجود الدنيوي، وهو مركب معقد جدًا لم يتمكن أحد –حتى الساعة- من إدراك حقائقه بالرغم من طول أمد العلوم الإنسانية التي تمتد في عمقها التاريخي إلى ما قبل الميلاد بقرون وقرون، ومن مركباته العجيبة مركب العقل والعاطفة، فهو ليس بعقل فقط ولا هو بعاطفة فقط، ولكنه مركب دقيق من كليهما، والحكمة في حقيقتها هي القدرة على فهم واقعية هذه التركيب وتوجيهاته المتزنة، وأقول بأنها الحكمة على اعتبار أن الإنسان هو صانع الحضارات ومبدع المستقبل، وكلما كان متوازنًا في تركيبه العقلي العاطفي كلما أبدع حضارات أكمل وصنع مستقبلًا أزهر، إلا أن القضية ليست بهذه السهولة التي تصورها الكلمات والعبائر؛ فمركب العقل والعاطفة تتداخل فيه مركبات اخرى منها ما ندركه بسهولة ومنه ما يحتاج منا إلى نظر وتأمل، ولذلك عد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) جهاد النفس جهادًا أكبر في قبال الجهاد بالسيف وبذل الدم، فقد ورد أنه (صلى الله عليه وآله) بعث بسرية فلما رجعوا قال لهم: “مرحبًا بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي الجهاد الأكبر. قيل يا رسول الله وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس”[1].

أضرب للتوضيح مثالًا:

عندما تكون مؤمنًا ورعًا لك حظ في التقوى والخوف من الله تعالى، فهذا في حد ذاته لا يتشكل صحيحًا إلا بمركب العقل والعاطفة، العقل الذي يدلك على الله تعالى ثم يحرك العاطفة لحبه عز وجل، وهذا تصوير أولي بسيط لأقرب به الصورة لا أكثر، ولكنك أنت المؤمن الورع لو أنك تصادف من ظاهره الإيمان والورع والتقوى مثل ما هو ظاهرك له، ووجدت فيه ما تراه انحرافًا عقائديًا أو ثقافيًا أو فكريًا فكيف تحدد موقفك تجاهه؟ مع الأخذ في الإعتبار أنه ربما نظر إليك كما تنظر أنت إليه..

لا بد من مواجهته بشكل من الأشكال، ولكن.. ما هو منطلق هذه اللابدّية؟ أهو العقل أم أنها العاطفة؟ عاطفة انتمائك لتيار أو جهة ثقافية فكرية معينة، أو ربما انتمائك لذاتك؟!

أم أن منطلقه العقل، مع عاطفة حبك لله تعالى وأيضًا حبك للتقوى والورع، فيكون موقفك مصاغًا من هذه المركبات والمزاوجات الدقيقة جدًا؟

نعم، فإنه كلما ارتفع مستوى الدقة في فهم العقل والعاطفة وطبيعة التركيب بينهما كلما كان الإنسان على مقربة من الحكمة وحياضها، ولأنها الحكمة التي قال الله تعالى عنها (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ)، ولأن الله تعالى هو الحكيم بل هو حقيقة الحكمة، ولأن المعصومين من آل بيت محمد (صلى الله عليه وآله) هم معدنها وحقيقتها الوجودية في الدنيا، فنحن لا نتمكن بأي حال من الأحوال إغفال موازينها لصالح غيرها أيًا وكيفما كان..

كربلاء..

أوَفي هذا الوجود أرض علم ومعرفة وحكمة مثل كربلاء؟ كيف وقد قال الصادق (عليه السلام) في جوابه على سؤال زيد الشحام: “ما لمن زار قبر الحسين (عليه السلام)؟ فقال: كان كمن زار الله في عرشه”[2].

عرش الله جلَّ في علاه يعني أنها محل لحكمته ورحمته وغفرانه ونوره وكل ما من شأنه أن يفيض به على الوجود، وواضح أن نيل كربلاء لهذه الدرجة العظيمة إنما كان جزاءًا للقيم النورية التي روت القلوب بحكمة الحسين (عليه السلام) في كربلاء..

كان الحسين كجده وأبيه وأمه وأخيه وهكذا التسعة المعصومين من ذريته وبنيه ومعهم العباس العظيم وزينب المقدسة (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).. كلهم يجسدون قمة الحكمة ولا حكمة فوق حكمتهم (عليهم السلام)، ولذلك فنحن عندما ننظر إلى كربلاء لا ننظر إليها عقل مجرد عن العاطفة ولا عاطفة مجردة عن العقل، بل ولا يمكن للعقل فيها أن يطغى على العاطفة ولا يمكن للعاطفة أن تطغى على العقل، ولكنها كحكمة السماء حالة تكاملية من المزاوجة القدسية بين العقل والعاطفة.

زبدة المقال في خاتمته:

خرجت زينب (عليها السلام) من الخيمة مولولة لاطمة ناشرة شعرها بقلب تتصارع دقاته خوفًا من مستقبل مجهول وهي ترى الأجساد مجزرة كالأضاحي على بوغاء كربلاء..

هذه صورة، وصورة أخرى تقول:

خرجت زينب الحكيمة (عليها السلام) من الخيمة وقد فاض الدمع من عمق وجدانها أسى على الإنسان الذي قال الله تعالى فيه (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ) وهو يقتل بجهله وحقده (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).. زينب الحوراء ثكلى في قلوبها تسكن غصات وغصات، إلا أن حكمتها تجللها ولا يمكن لحزنها ووجدها إلا أن يبقى مجللًا في نورها الزينبي المقدس، ولذلك كانت كربلاء لزينب وثبة أطاحت بعرش الطغاة في الشام عندما قامت بين يدي الله تعالى خطيبة ففضحت زيف الرداء الأموي الجبان.

الدمعة في كربلاء الحسين (عليه السلام) لها أسرار تكوينية، فقد قال الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): “إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدًا”[3]، ولذلك فإن ذكر الواقعة بحكمتها وقوة بأسها وشموخ الصبر فيها كاف لاستثارة النفس العاقلة ودفعها نحو وثبة تغييرية تتجسد فيها أهداف إمامنا الحسين (عليه السلام): “إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي”[4].

نحتاج إلى مراعاة الحكمة وضوابطها عند الحديث عن كربلاء، فكربلاء قدسية مقدسة شاء الله تعالى أن يجعلها محورًا أصيلًا في كل علم ومعرفة، فكربلاء فلسفة العلوم وهي عين الحكمة وسنامها، ولا يليق بأمة تدعي الحسين وكربلاء إلا أن تكون على مساعي التكامل دائمًا وأبدًا، ولا تكامل إلا بفهم مركب العقل والعاطفة، وليس من عقل وعاطفة بالتركب النوري إلا على طريق الوثبة نحو الخلاص لا النكبة والندب وفقط.  

السيد محمد علي العلوي 

18 أكتوبر 2012م       

 

[1] – الكافي للكليني، الجزء الخامس – ص 12

[2] – كامل الزيارات لابن قولويه، ص278

[3] – مستدرك الوسائل للميرزا النوري، ج10 – ص318

[4] – بحار الأنوار للمجلسي، ج44 – ص329

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *