الرئيسية / مقالات / مصطلح (العامة).. كلام في الفهم الموضوعي

مصطلح (العامة).. كلام في الفهم الموضوعي

يأتي مصطلح (العامة) في مقابل (الخاصة) وقد تطلقه أي فئة عن نفسها في قبال غيرها من (عامة) الناس والفئات، فمن الصحيح أن يقال عن الأطباء (خاصة) في قبال غيرهم مطلقًا، فلا اعتبار للدرجة العلمية طالما أن موضوعها مختلف عن موضوع (الخاصة)، فلو كان طبيبًا حائزًا على درجة الدكتوراة، وعالم ذرة عنده ألف شهادة دكتوراة، فهذا لا يؤثر في كون الطبيب (خاصة) بالنسبة لفئة الأطباء، وعالم الذرة (عامة) على اعتبار أنه خارج دائرة (الأطباء)، ومن الواضح أن صفة (العامة) لعالم الذرة لا تحمل أي إشارةِ استنقاص أو ماشابه، وكل ما في الأمر أن المفترض عدم إحاطة عالم الذرة بما يحيط به الطبيب في خصوص علم (الطب) ولذلك كان (عامة) في قبال الطبيب (خاصة)، وبالتالي فإن عالم الذرة في تخصصه (خاصة) في قبال الطبيب.

إلا أن مصطلح (العامة) في قبال (الخاصة) اشتهر استعماله للتفريق بين طلبة العلوم الدينية وغيرهم، وفي النظرة الأولى نجده مصطلحًا عاديًا مثله في التطبيق مثل غيره بلا فرق، ولكن المسألة في تفاصيلها تبدأ بالتعقيد لسبب جوهري لا يستهان به، وبيانه في التالي:

في حالة الطبيب فإن (العامة) لا يتدخلون في عمله غالبًا على اعتباره الجهة المتخصصة في (الطب) وإن كان من حق (العامة) الإستفسار وطلب المعرفة في الأمراض وعوارضها وفي عموم ما تحتاجه صحة الإنسان من رعاية وحصانة وما شابه، إلا أن العاقل يستهجن تدخل (العامة) في تفاصيل العمل الطبي؛ فالقضية في نهاية المطاف تحتاج إلى تخصص وليس مما يقبل أن يتجاوز (العامة) سنوات العلم الطويلة التي قضاها الطبيب في الجامعات والمستشفيات ويصرون على فهم النتيجة بتفاصيلها بدون مقدماتها التي حصلها الطبيب في سنوات دراسته، وأكثر من ذلك أن يعطون أنفسهم الحق في الحكم والمحاسبة!!

وعلى أية حال فإننا لا نجد مواجهات ذات بال بين الأطباء (الخاصة) وغيرهم من عامة الناس، ولكننا نجدها محتدمة بين عموم طلبة العلوم الدينية وغيرهم من الناس، لبعدين أساسيين:

البعد الأول: يعتقد المسلمون بأن الدين هو الحياة، فلا واقعة (على الإطلاق) تخلو من الحاجة إلى حكم شرعي، وهذه حقيقة لا مراء فيها، ولذلك فإن الحالة (التدينية) عند الناس (خاصة وعامة) تنتظر من (المتخصص في العلوم الدينية) رأيًا فقهيًا وخصوصًا في الوقائع الجادة المتعلقة بمصير أو مصائر المجتمع أو الأمة، وفي هذا البعد تتوجه الأنظار في (العمامة) بما هي هي، وهنا مشكلة تحتاج إلى معالجة ولكن المقام ليس مقامها.

البعد الثاني: إذا كانت وقائع الحياة لا تخلو عن حاجة إلى حكم شرعي، وإذا كان الإنسان هو المحور في هذه المعادلة، وهو المخاطب بالحكم الشرعي الذي لا تخلو منه واقعة من وقائع الحياة، فإنه يشعر –وهو شعور واقعي حقيقي- بقاهرية الحكم الشرعي عليه ولو إبتداءًا، وفوق ذلك هو من (العامة) الذي لا يرى ما يراه (الخاصة)، ولذلك فلا مسؤولية عليه غير التنفيذ والإمتثال، وهذا ما يرفضه واقعه الإنساني خصوصًا إذا كثرت أخطاء (الرأي العلمائي) في الميادين التخصصية مثل ميدان السياسة والإقتصاد وما إلى ذلك.

في هذين البعدين نلاحظ تضاربًا واقعيًا بين متقابلين، الأول هو الشعور الديني بالحاجة إلى الحكم الشرعي، والثاني هو رفض قاهرية (القاهرية الشرعية) الدين على الحياة، وإذا كان المتقابلان حقيقيان فلا شك في أن الخلل لا يمكن إلا أن يكون في التطبيق، والخطأ التطبيقي منشأه الفهم الخاطئ في الغالب، وهذا ما أحاول تشخيصه في السطور التالية..

المشكلة الأولى: في الفهم الموضوعي لمصطلحي (الخاصة والعامة):

أتحدث بما أراه واقعًا..

يشعر الناس عموم، والمثقفون منهم على وجه الخصوص بأن مصطلح (الخاصة) عندما يستخدمه طلبة العلوم الدينية فإنهم يستعلون به على الآخرين، وإن لم يكن ذلك في نياتهم فإنه يظهر على أية حال في طريقة طرحهم للمواضيع وفي مناقشاتهم بشكل عام، فهم كثيرًا ما يُشعِرون الآخر بأنه غير متخصص وأنه لا يفهم وأن (المعمم) وخصوصًا إذا كان فقيهًا أو ما شابه يرى بعين الله وهو الأدرى بمصالح العباد وأنه الحكيم والرباني وما إلى ذلك من نعوت تسبغ عليه –شئنا أم أبينا- هالة من التقديس الذي ترفضه الثقافة الإسلامية فضلًا عن الثقافة التي يكون عليها المجتمع في أجواء الإنفتاح والإرتقاء في المستويات الأكاديمية.

لا ينبغي أن يكون التوجيه الثقافي لمصطلحي (الخاصة والعامة) على هذا النحو الخاطئ، فالقرآن الكريم يشع بالبيان ومعه ما صح عن العترة الهادية، ولطالما وقفنا على خطب عن المعصومين (عليهم السلام) فيها التوضيح الشافي والبيان الكافي بما يحتج به، ولا نجد فيها وصفًا للناس بأنهم لا يفهمون أو لا قدرة لهم على الإستيعاب، بل أن المعصوم (عليه السلام) قد حتم على نفسه أن لا يتعالى في خطاباته على عامة الناس، فقال: “أمرنا معاشر الأنبياء أن نخاطب الناس على قدر عقولهم”، ولكن الحاصل اليوم هو أن بعض طلبة العلوم الدينية يصرون على استخدام المصطلحات التخصصية وممارسة الإبهام في خطاباتهم وعدم تحري الوضوح في طرح المفاهيم، وعندما يتحرك الفكر العام للجماهير مطالبًا بالتوضيح فإنه يواجه بقوة ويتهم بالتعدي والتطاول على مقام (الخاصة) وأن ما قيل لا يفهمه (العامة).. ويبدأ الصراع وبإصرار غريب على أن يسيء كل طرف إلى الآخر وكأنها ساحة نزال!!

وفي الجانب الآخر، فمن الطبيعي أن يطالب العقلُ (العامة) بضرورة احترام النواحي التخصصية في البعد الاستنباطي على وجه الخصوص، فليس من الطبيعي أن يضطر (العالم) إلى بيان طريق الاستنباط وما فيه من إشكالات وردود سواء في تناول النص أو غيره، فهذا في الواقع طريق شاق جدًا ولا يمكن أن يطرح على (العامة) ليس استنقاصًا ولكنه الطبيعي في مثل هذه الموارد، ولكننا أيضًا نصر على السادة الأفاضل من العلماء وطلبة العلوم الدينية بتحري الطرح الذي يناسب غير المتخصصين، وإن لم يكن بالإمكان فليقم بصياغة الخطاب من هو قادر على ذلك ويلقى بعد مراجعة المتخصص.

المشكلة الثانية: في إستقلالية (العمامة) وعدمها:

وهذه مشكلة شائبة معقدة جدًا، فالعمامة عندما تكون (تابعة) ولو في ثقافة الناس فإنها تفقد احترامها خصوصًا عند معارضيها أو المتحفظين على انتمائها بشكل عام، وفي هذه المشكلة هناك – في تقديري- شبهة خطيرة، أجملها في التالي:

عندما يكون هناك تيار تشكله عدة مؤسسات منها المؤسسة الفقهية أو فلنقل مؤسسة (الغطاء الشرعي) فمن الطبيعي أن يسير التيار بمؤسساته في اتجاه واحد متجانس، ومما يتوقعه العقلاء أن لا يتخذ قرار سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو غير ذلك إلا من بعد إمضاء المؤسسة الفقهية والتأكد من موافقة (الغطاء الشرعي)، ولذلك فإن التيار في مجمله أو في مؤسسة من مؤسساته إذا ما طرح أمرًا أو وجه وجهة فإن المتوقع تحرك (الغطاء الشرعي) معه، وإن لم يكن كذلك فإننا نحكم بوجود خلل في منهجية عمل التيار.

ومن الأطروحات غير الموضوعية أطروحة (استقلال العمامة) التي أراها غير ممكنة عمليًا، فالإنسان لا يمكن إلا أن يكون منتميًا إلى تيار ثقافي وإن لم يسمى في الساحة، ولكنه يبقى كذلك ولا يتصور تحليقه منفردًا هكذا!!

ومن هذا المنطلق أقول بأن (العمامة) إذا كانت ذات سلطة موضوعية في التيار فإن قرارًا لن يخرج إلى العلن إلا بإمضائها، ولا أقصد هنا بالإمضاء على ما يوافق الأهواء والمصالح، فهذا أمر آخر  لا شأن لنا به في هذا المقال، ولكنني أقصد الإمضاء بما يوافق الموازين الشرعية التي يلزم التيار نفسه به، وعليه كان على الجماهير تفهم هذه الحالة وعدم اتهام (العمامة) بعدم الإستقلالية عندما تدعم توجهًا لتيارها الذي تنتمي إليه أو لا أقل تتبناه، وأما دعوى استقلالية العمامة مطلقًا فهذا ينكره العلم إنكارًا شديدًا.

بلى، إذا كانت العمامة في ضمن تيار خاص يلتزم داره ولا يتدخل في أي عمل سياسي أو غيره مما هو خارج إطارة الحوزة العلمية، فإنها قد تعطي رأيًا مختلفًا إذا طلب منها، وهذه أيضًا خارج نطاق كلامنا.

المشكلة الثالثة: التفرد والصدارة:

من المؤسف جدًا أن يتحول الميدان العلمائي إلى ميدان تسابق وظفر واستحقاقات وما شابه مما تأباه طبيعة الدين والتدين، ولكن الواقع أنه هكذا، وربما لأسباب عدة أذكر الأهم منها –في تصوري-، وهو عدم الدقة التنظيمية والإدارية في عموم التيارات الإسلامية، ولذلك فإن المنظم منها هو الذي يخرج وجوهًا علمائية تبرز في المجتمع حتى تصل إلى مرحلة يعتبر فيها أي ظهور آخر ظهور مناكفة ومزاحمة وجرأة وربما (قلة أدب)!!

في الواقع أن البروز يدفعه أحد عاملين، الأول هو عدم وجود المنافس، وأما الثاني فهو التمكن العلمي والوعي بأحوال الزمان، وعلينا أن نشخص الحالة بكل واقعية والسعي لمعالجتها بموضوعية تامة، ولا شك في أن هذا النحو من التعاطي هو الأرجح عقلًا، وبالتالي فإن ترك التنازع يكون طريقًا للإنتاج وإبداع يرجوهما المجتمع، وهذا لا يعني على الإطلاق التخلي عن حق النقد والمعالجات النقدية.

المشكلة الرابعة: النظر من منطلقات ثقافية مسبقة:

وهذه مشكلة ثقافية في المقام الأول، وهي مما يستهلك الطاقات الفكرية والسلوكية للجماهير، –فمثلًا- عندنا مجموعة من الرموز وكل رمز يأتي على رأس تياره الخاص، فهل سمع أحدنا –إلا ما ندر- أن انتقد (وفاقي صريح) رمزه في التيار وبشكل صريح، أم أننا لا نرى غير التأييد وبقوة؟ وهل سمع أحدنا –إلا ما ندر- أن انتقد أحدهم رمزه في التيار وبشكل صريح، أم أننا لا نرى غير التأييد وبقوة؟ 

وفي المقابل فإننا عادة ما نرى معارضة ذات طبيعة ثقافية حُكمية مسبقة بين جماهير التيارات وكأن الآخر لا يمكن إلا أن يكون على خطأ، مثلما أن رمز المعارض وفي ثقافته لا يمكن إلا أن يكون على صواب!!

المخرج الوحيد من هذا المأزق الثقافي المتعب هو أن التحرر من غير الموضوعية في النظر والتحليل، والمنطلق دائمًا هو قول أمير المؤمنين (عليه السلام): “انظر إلى ما قيل، ولا تنظر إلى من قال”.

هذه محررات لمشاكل أربع طرحت وما أبحث عنه هو استثارة مثل هذه المواضيع في أذهان السادة والسيدات من أبناء مجتمعنا المرحوم بإذن الله سبحانه وتعالى.     

 

السيد محمد علي العلوي

14 ذو الحجة 1433هـ / 30 أكتوبر 2012م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *