الرئيسية / مقالات / في الجبهة نحن ..

في الجبهة نحن ..

يلتقي الزوجان بعد عقد قرانهما، في بيت واحد لينطلق مشروعٌ إلهي مقدس عنوانه (وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً)، ومع مضي الأيام يطل من بينهما التقاء ثانٍ عندما تتجاوز الزوجة شهور الحمل التسعة فتصل من بعدها لتلك اللحظة التي يهل فيها ذلك الطفل (الثمرة) ليشكل طرف الالتقاء التقابلي مع أمه وأبيه، ومن هنا تحديداً تبدأ المعادلة في التشكل، فإما أن يتمخض خير كبير عن هذا الالتقاء أو أن مخاضه نكداً لا صلاح فيه، فالأمر موكل أولاً للأم والأب، وثانياً للمولود.

إنني ومن خلال هذه السطور أبعث برسالة خاصة جداً للكبار بشكل عام، وللأمهات والآباء على وجه الخصوص، وذلك بعد أن سجلتُ تجاوزات تربوية لا أكاد أن أكون قادراً على حصرها؛ لأنها وبكل بساطة قد تجاوزت حد المعقول حتى أصبح دمار المجتمع وتخلفه حالة طبيعية جداً لضعف التأسيس التربوي عند الأمهات والآباء، وقد لا أكون مبالغاً إن قلت بأن جرائم عظمى ترتكب في حق الإنسانية بأيديهم التي يظنون انهم يحسنون بها صنعاً!

لو نقرأ واقعنا السلوكي من مشاعر وأفعال وأمزجة وأخلاقيات لوجدنا بما لا يدع مجال للشك أننا صنائع آبائنا، وبالمثل فإن الأبناء والأجيال القادمة هي صنائعنا، فما غرسه الآباء يحصده المجتمع اليوم، وما نزرعه نحن فإن حصاده قريباً، وهذا أمر واضح؛ حيث إن الشخصية تبنى بمجموع ما تلتقطه في البيت ومن الأبوين أولاً، ومن المدرسة والحي ثانياً، وبتسلط سافر من وسائل الإعلام من فضائيات ومجلات وصحف بداية ونهاية، وبعد كل ذلك نأتي لنلوم الأبناء على أخطاء يرتكبونها وسلوكيات يمارسونها فنخلق فيهم أشد وأقسى حالات التناقض وعدم الاستقرار على الإطلاق.

أتسائل هنا.. من ذا الذي يصنع هذه الحضارات المتصارعة؟ من ذاك الذي يغير ويبدل ويرفع ويحط بكل قوة وعنفوان؟ أي جهة تلك التي قبلت بأمانة السماء بعد أن رفضتها السماوات والأرض والجبال؟ لمن سوف ينصب الله –تعالى- الميزان في يوم الحساب؟ ومن ذا الذي جعل المولى –عز وجل- له جنة عرضها السماوات والأرض؟

أوليس هو الإنسان؟ نعم هو الإنسان الذي أُوكل أمرُ تربيته لي، ولكَ، ولكِ، ولكن الكثير منَّا –وللأسف- لم يتمكنوا من استيعاب خطورة الأمانة ودقة المسئولية، فكان الإنجاب بالنسبة لهم ليس إلا معاشرة زوجية تنتج طفلاً، فإذا وصل غذوه وألبسوه.. أما ما جعله الله –تعالى- فيه من طاقات وكنوز إنسانية فليس مصيرها إلا الكبت والخنق، بحجة أنه طفل صغير ولا ينبغي له التحدث في حضور الكبار!! وفوق هذا وذاك فكثير من الآباء لا يدرون لماذا ينجبون أطفالاً، فلو سألت أحدهم عن السبب، فإنه غالبا لن يحري جواباً وستجده متلعثماً تائهاً.

وبالتالي فإننا نربي أجيالاً من الجبال المتناقضة والمخنوقة وغير القادرة على صناعة قرارها فضلاً عن كتابة تاريخها، لذا فإننا لا نقوى اليوم حتى على مناقشة ما نعانيه من مآسي وعلى مختلف المستويات السياسية والأخلاقية والاقتصادية وغيرها؛ فالسبب هو فشلنا الفاضح في مناهجنا التربوية مدرسياً وأكاديمياً، وقبل ذلك أسرياً.

أيتها الأم الفاضلة، أيها الأب الكريم.. أنتما من يحمل الراية، وأنتما من يصنع القادة، وأنتما من يقدم إلى العالم كواكب العباقرة والحكماء، فاعلموا جيداً، بل وكونوا على ثقة تامة في أن كل نطفة تنعقد منكما هي في واقع الأمر أرض خير بيدكما استثمارها وتحويلها إلى جنة إلهية غناء، كما أنكما من يستخدمها لهدم المجتمع بـ (اللو ويست، والشيلة بنفخة، والمخدرات، والميوعة في الشباب والبنات).

الأمر في يديكما فانظرا كيف تصنعان في مجتمع ينتظر منكما الخير، وإمام يرجوكما لنصرته في يوم الظهور المقدس. إنها الجبهة فحاربا..

السيد محمد علي العلوي

23 من ذي القعدة 1430هـ

11 نوفمبر 2009

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *