الرئيسية / مقالات / تأملات في سيرة (القطط)..

تأملات في سيرة (القطط)..

cute-cat-wallpapers-hd

منذ انتشار السيارات وهي تُقْتَلُ بنفس الطريقة.. تسجل نظرات خاطفة إلى اليمين واليسار، ثم تتحرك خطوتين إلى الأمام ثم تتراجع وتقفز مرة أخرى، فإما أن تفلت منها وإلا (صفعتها) عجلات إحدى السيارات للتوالى عليها المئات منها والآلاف فيتحول ذلك القط الشقي قطعةً من الشارع..

القط رشيق جدًا وعنده قدرة فائقة على النط والركض وتغيير الاتجاه بما لا يملك غيره من الحيوانات التي تعيش بين البشر في مجتمعاتها، وبالرغم من ذلك وإصراره الكبير على الحياة وعدم استسلامه للموت حتى قيل عنه بأنه (أبو السبع أرواح) إلا أن العجلات ترتمي عليه بثقل ما تحمل فتحوله إلى (خبر كان) والمبتدأ (قط)!!

مشكلة القط تنحل في عدة نقاط:

1-     أنه لا يتعلم، فهو حيوان بمائزة الإنسان نعلم أنه غير مدرك، ولذلك فإنه لا يتفاعل مع السيارات المتطايرة أمامه إلا على مستوى تسارع نبضات القلب فقط، أما العقل فلا، لأنه في الأساس غير مدرك.

2-     أنه لا يسلك الطرق الآمنة، ويصر على عبور الشوارع المزدحمة حتى لو لم يكن له غرض أو حاجة في الطرف الآخر منها، فهو يتحرك لأنه يريد أن يتحرك، وهذه مشكلة أصيلة فيه.

3-      لم يفكر يومًا في إيجاد حل لمشكلته مع عجلات السيارات، مع أن من الممكن الاستعانة بمجموعة من الأرانب –مثلًا- لتحفر له نفقًا تحت كل شارع يؤمنه تجربة المجرب، وهنا أذكر قصة تستريح بين أحضان كليلة ودمنة.. إنها قصة الفيل والقبَّرة:

“زعموا أنَّ قٌبَّرَةً اتَّخَذَتْ عُشّاً وباضت فيها على طريق الفيل، وكان للفيل مشرَبٌ يتردَّدُ إليه، فمرَّ ذاتَ يومٍ على عادتهِ لِيَردَ مَوْرِدَهُ فوَطئَ عُشَّ القُبَّرَةِ وهشمَ بيضَها وقتَلَ فِراخَها .

فلما نظرَتْ ما ساءها علمتْ أنَّ الذي نالها منَ الفيل لا من غيره، فطارتْ فوقعتْ على رأسه باكيةً ثم قالتْ: أيها الملكُ لمَ هَشَمْتَ بيضي وقتلْتَ فِراخِي وأنا في جِواركَ، أَفَعَلْتَ هذا استصغاراً منكَ لأمري واحتقاراً لشأني؟ قال: هوَ الذي حمَلني على ذلكَ، فترَكَتْهُ وانصرفتُ إلى جماعة الطَّيْر فشكت إليها ما نالها من الفيل، فقلْنَ لها وما عسى أن نبْلُغَ منهُ ونحنُ طيورٌ، فقالت للصقورِ والغِرْبانِ أُحِبُّ منكُنَّ أَن تصِرْنَ مَعي إليه فتَفْقأنَ عينيْه فإني أَحتالُ له بعد ذلك بحيلةٍ أخرى، فأجبْنَها إلى ذلك وذَهَبْنَ إلى الفيل فلم يزَلْنَ يَنْقُرنَ عينيه حتى ذَهَبْنَ بهما وبقي لا يهتدي إلى طريق مَطْعمِه ومشْربَه إلا ما يُحَصّلُهُ من موْضعه، فلما علمت ذلك منهُ جاءت إلى غَدِيرٍ فيه ضَفادعُ كثيرةٌ فشكتْ إليها ما نَالها من الفيل، قالتِ الضَّفادعُ: ما حيلَتُنا نحنُ في عِظَمِ الفيل، وأَيْنَ نَبْلغُ منهُ، قالتْ: أُحِتُّ منكنَّ أن تصِرْنَ معي إلى وَهْدَةٍ قريبةٍ منه فتَنْقِفْنَ فيها وَتضْججْنَ فإنه إذا سَمعَ أصواتَكنَّ لم يشُكَّ في الماء فيهوي فيها.

     فأجبنَها إلى ذلكَ واجتَمَعْنَ في الهاوية فَسمعَ الفيلُ نَقيقَ الضَّفادعِ وقدْ جهَدَهُ العطش فأقبل حتى وقعَ في الوَهْدَةِ فاْنحَطَمَ فيها.

وجاءتِ القُبَّرَة تُرفرف على رأسهِ وقالتْ : أيُّها الطاغي المغترُّ بقُوَّتِه المحتقرُ لأمري كيفَ رأيتَ عِظَمَ حِيلتي مع صِغَرِ جُثَّتي عند عِظَمِ جُثَّتكَ وصِغَرِ هِمَّتكَ”

 

نجحت القبرة عندما قام كل بوظيفته لإنجاز عمل متكامل على طريق الوصول لغاية مقررة، ولكن مشكلة (القط) أنه يعيش حالة عداء مع (الكلب) من جهة ومع (الفأر) من جهة أخرى، كما أنه يكره (الذباب) ولا يطيق (العصافير)، ويرى في نفسه الرشاقة والخفة والنباهة، وبالرغم من تاريخه العريض في السقوط تحت العجلات، إلا أنه لا يزال هو هو بلا أدنى تغيير!

ومشكلة أخرى أطرحها مع عتب شديد حاد للمجتمع البشري، فهو وبالرغم من كوارث (القطط) في كل مكان، إلا أنه لم يستشعر المسؤولية حتى اللحظة ولم يفكر في مشروع ينهض بـ(القطط) ويطور من قدراتها الإدراكية، وإن كانت غير قابلة للنهوض والتطور، فإن الإنسان يبقى مشاركًا في الجريمة، إذ أنه لم يفكر في حلول تمنع (القطط) من الإنتحار غباءًا وغرورًا تحت عجلات السيارات..

وفي الختام، بالبحراني القح: (الحين بيطلع لك جم واحد يقول: سيد، تقصد منهو بالقط، وتقصد منهو بالفيل؟ ومنهو قصدك الكلب؟)..

جوابي: (استريح الله يحفظك وواصل قراءة في مجلة “سيدتي”)

السيد محمد علي العلوي

27 محرم 1434هـ/ 12 ديسمبر 2012م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *