الرئيسية / مقالات / (مسجات) .. من السماء

(مسجات) .. من السماء

في الثامن عشر من ذي الحجة وقبل أربعة عشر قرن من الزمان صاحت السماء بصوت الحق قائلة (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) فعلمت الأرض بأن مسيرة مازاد على العقدين كان في كفة، وأمر التبليغ في هذا اليوم التاريخي في كفة أخرى، وهذا يعني أن كل هذا الدين الحنيف لا يمكن لحاله أن يستقيم إلا بقوله (صلى الله عليه وآله): من كنت مولاه فهذا علي مولاه.

وبالمثل فإن هذه الولاية لا يمكن لحالها أن يستقيم إلا بتفعيل المسيرة الرسالية الخالدة التي حمل رايتها وقادها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وبهذا فقط تتم المادة العاصمة من الضلال وهي القرآن والعترة.

إننا في مثل هذه الأيام ننجذب فكرياً إلى حقيقة سماوية أظهرها الله تعالى في يوم الغدير الأغر عندما أمر نبيه الأكرم (صلى الله عليه وآله) بأن يرفع الدين على ساعد الولاية لأمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام)، أما الجاذب فهو العلاقة التكوينية بين الإسلام والولاية، فقد اتضح جلياً أن الولاية إن كان التمسك بها على ما أرادت السماء فهي الدين بعينه، بل ولا طريق له سواها، وهذا ما يؤكده قوله تعالى (وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)، ولأهمية القضية تدخلت القدرة الإلهية في القضية فضمنت عصمة المُبلغ وهو الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) من أن تتغير الحقيقة المراد إظهارها فقال عز وجل (وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)، فحُفِظت في العترة الطاهرة والشيعة الموالين بشعائرهم التي امتدت وتمدت إلى قيام يوم الدين إن شاء الله تعالى، ولعله هذا المُفسر لتأخر قضية الحسين (عليه الصلاة والسلام) زماناً عن قضية الغدير، فلنتأمل جيداً.

إن كون الحق ملازم لقانون الولاية يفرض على الولائين أن يجعلوا من فكرهم امتداداً حقيقياً لقاعدة (بَلِّغْ) فالدعوة إلى الحق باقية ما بقي في الأرض خط يواجه المضامين الشامخة التي أبرزها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) في يوم الغدير، وبذلك فإن إحياءنا له ينبغي أن يأخذ اتجاه الدعوة الدائمة إلى ولاية أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) وإظهار المظلومية التي تعرضت لها العترة الطاهرة منذ رحل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن هذه الدنيا الفانية إلى الدار الباقية، وهذا ما يظهر من موقف الأئمة الأطهار (عليهم الصلاة والسلام) وعلى وجه الخصوص الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) عندما ضرب أروع الصور، وسجل أرقى المواقف بشموخه الإيماني في وجه جيش جرار يأتمر بأوامر يزيد بن معاوية (لعنه الله).

نحن اليوم في حاجة ماسة إلى إعادة التوجهات الشيعية إلى حقيقة وواقعية ورسوخ الفكر الغديري الذي أبى الله تعالى إلا أن يُجدد في كل عام على أيدي الخلص من شيعة الكرار (عليه الصلاة والسلام)، وهذا ما لا ينبغي أن نساوم عليه بأي حال من الأحوال، فالقراءة للغدير لا تحتمل الإخضاع إلى الظروف الزمانية والمكانية، فالقضية قضية إلهية تكفل الحق فيها بعصمة (المُبلغ)، بعد أن جعل التبليغ عنها ولها في كفة توازن كفة الدين بأكلمه، وهذه رسالة إلهية نحتاج إلى فهمها واستيعابها جيداً.

السيد محمد علي العلوي

15 من ذي الحجة 1430هـ

2 ديسمبر 2009

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *