الرئيسية / مقالات / النعمة الكبرى

النعمة الكبرى

خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وأودع فيه الفهم والإدارك قوةً دائمةً في أصل حقيقته فميزه بها عن غيره من المخلوقات وبالغ في بيان أهميتها بألفاظ وعبارات قرآنية متعددة، وبمواقف وتصريحات عتروية متزايدة حتى وصل الأمر إلى أنه جعلها ميزان حساب الفرد يوم القيامة فقال في الحديث القدسي المشهور: (بك أثيب وبك أعاقب).

إنه العقل الذي شرفه المولى عز وجل بأن يكون أداة الفهم والإدارك عند الإنسان وطوى بين حدود آفاقه هذا العالم الأكبر فتمت الحجة في أبلغ صورها لأكون وأنت في مواجهة مباشرة مع تحدي المحافظة على تقوم وجودنا بهذه النعمة الإلهية الكبرى.

لقد وعى إبليس اللعين هذه الحقيقة المتكفلة بإزالة خطره عن طريق الإنسان إلى رضا الله جلَّ شأنه، وعندما كان الأمر كذلك بدأت المخططاتُ دربَ الحياكةَ والتشكيلَ بغرض اصطياد هذا الإنسان عند مزالقه الفكرية ومطباته التعقلية وحرفه عن الجادة وبالتالي إبعاده عن خيرات وعد الله عز وجل بها عقلاء المؤمنين والمؤمنات، والمشكلة أن هذه المخططات الإبليسية تأتي بأشكال قد لا نتمكن من حصرها، فهي ليست فقط ذلك الخطاب المباشر الذي يأمر بالإنحراف الصريح، ولكنها تأتي في أخطر صورها عندما تقولب الإنسان في قالب إعارة العقل والتحول به إلى حالة متقدمة من الإمعية المنكرة.

كنت في بعض الأيام أتحدث لمجموعة من الشباب حول مجالس محرم الحرام ومدى الفائدة المعرفية التي حققوها منها، فكانت الآراء والإجابات تبشر بشيء من الخير الذي طالما رجوناه، واستطراداً تفضل أحدهم بذكر فكرة ما قام أحد الخطباء بطرحها في محاضرة له، وأبدى إعجابه بها وتفاعله معها، ولكنني أعلم جيداً بأن هذه الفكرة غير صحيحة، فسألت الأخ المتحدث: هل راجعت صحة الفكرة التي طرحها الخطيب؟ فقال: لا!!!

أيها الأحبة، لاحظوا معي هذه الآية المباركة ومن بعد ذلك فلنتفكر في حالتنا الفكرية والمنهجية المتأخرة جداً: يقول تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)…

إن المولى عز وجل (عرض) الأمانة، أي أنه أظهرها وترك أمر القبول بمحملها لمن عرضها عليهم، فعلمنا فيما علم ضرورة أن يكون الإنسان مستقلاً في فكره مختاراً في اتخاذ قراراته دون إملاء من أحد أو تلقين من آخر، أو برمجة من ثالث، أما الضابط لذلك فليس إلا القوانين الكلية الواضحة جداً والتي بينها جل شأنه في كتابه العزيز وسيرة العترة الطاهرة (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، ولكننا اليوم ننكر هذه النعمة ونصر على إعارة عقولنا للآخرين بحجة أعلميتهم تارة وخبرتهم تارة أخرى وما نحو ذلك من حجج ما أنزل الله بها من سلطان!

نعم، نحن مأمورون عقلاً باللجوء إلى الأعلم إذا كانت القضية تخصصية، بل وحتى في ذلك فإنه من (الإنسانية) بمكان أن نسأل عما لا نتمكن من استيعابه جيداً، ولكن الحال القائم هو أننا لا نقبل حتى بأن نُناقش في رأي إذا كان صاحبه (فلان)، أو قائله (علاّن) فأصبحنا ندور (للسقي) ولا شيء غير ذلك.

إنني أرى بأن هذه الحالة الفكرية المتردية كفر واضح حيث إن إعارة العقل للآخر تعني وبشكل مباشر عدم الاعتراف بنعمة الله الكبرى التي منَّ بها على الإنسان فجعله بها مستقلاً حراً، وهي نعمة العقل.

لذا أيها الأخوة والأخوات كانت دعوتي في هذا اللقاء الأسبوعي أن نعقد العزم على التحرر من شباك الشيطان والانطلاق حقيقة للحوق بركب عقلاء الإيمان والتقوى.

السيد محمد علي العلوي

21 محرم 1431هـ

7 يناير 2010

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *