الرئيسية / مقالات / سِرْ أيها القائد.. (كل الشعب وياك)

سِرْ أيها القائد.. (كل الشعب وياك)

القيادة.. مفهوم يدل عند عامة الناس على علاقة يحكمها نظام الرتب والمناصب، والقائد فيها هو كل من علا على غيره رتبة أو أكثر، والكل مقود إلى ذاك المتربع على قمة (الهرم)، وبالتالي فإن القسمة المنطقية قاضية بإطلاق قيادة القائد في كامل المساحة الهرمية، وإلا لما صحت تسميته بالقائد وذلك بالنظر إلى مفهوم القيادة السائد.

ليس الكلام في صحة هذا المفهوم أو عدمها، فهذا –حسب فهمي- مفروغ منه بالكلية القرآنية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)، إلا أنه في الآلية الموصلة (للقمم) من حيث الدفع والبعث من جهة، والفهم والتعاطي من جهة أخرى، وهذا هو ما يحدده القرآن الكريم بوضوح في آية الطاعة الحاصرة للقيادة العامة في أطراف طولية ثلاثة هي الله تعالى، والرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، والأئمة الأطهار (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، ومن بعد ذلك يأتي من هو على خطاهم في تقواه وورعه وفهمه وعلمه وسعيه لإعمار مقام الخلافة الإلهية في الأرض كما أراد الله عز وجل، وفي هذه المرحلة، أي مرحلة مابعد الحصر الثلاثي، أسس المولى تبارك ذكره للفكر القيادي بقوله (وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ).

من هنا نفهم جيداً بأن القيادة لا يكفلها النص فقط، ولا انتخاب الناس، وبالطبع ليس الفرض من باب أولى، ولكن الذي يحدد مسارها هو خُلق القائد وفهمه لمعنى القيادة أخذاً وعطاءً، وهذا هو المستجمع في عدم الفظاظة وغلظة القلب من جهة، وممارسة العفو والدعاء والمشاورة الحكيمة من جهة أخرى، وبذلك فقط يكون إكمال وإتمام الأبعاد القيادية في شخصية الفرد.

إن هذه الصورة تجعل القيادة على مرمى من كل مؤمن يريد العمل من أجل بناء المجتمع والقيام بدور الإصلاح والصيانة فيه؛ حيث إن المسألة الأخلاقية ليست في حاجة حتى تتحقق إلا لإحياء القلب بأمر الله سبحانه وتعالى، وهذا في حد ذاته دافع كاف للسير على طريق العلم وطلب المعرفة والفهم والحكمة.

إننا –أيها الأحبة- نعيش أزمة حقيقية على مستوى مفهوم القيادة، وهذا ما يحكيه الواقع المعاش عندما نلاحظ حجم النزاعات الدائرة بيننا كمجتمع إنساني بشكل عام، وتديني على وجه الخصوص، وليس من سبب لذلك إلا إخفاقنا في قراءة التاريخ قراءة فلسفية عملية نتعلم فيها مهارة التركيز الموضوعي في تحليلاتنا وإرجاعاتنا التأصيلية للقضايا بشكل عام، وهذا موزع بين الناس من جهة ومن تسنم المناصب القيادية من جهة أخرى، فلا الأول تعقل في اختياراته وقرارته، ولا الثاني استوعب خطورة المهمة وخطر المسؤولية، فكانت النتيجة أننا ولقرون من الزمن ندور في مجموعة من الدوائر المفرغة التي ترمينا كل واحدة منها في بطن أخرى أبعد منها غوراً وأعمق ظلاماً.

إنه الواقع الأليم الذي يبعث في نفوس العقلاء موجة إنذار بضرورة التوقف السريع واتخاذ قرار حازم محوره صناعة الحدث لا انتظار من يصنعه، وهذا يعني أن المرحلة اليوم هي مرحلة تجميد كل الخلافات وتعليق جميع النزاعات والتركيز فقط على صناعة أجيال قيادية على هدي من القرآن والعترة، وعندها فقط نستحق أن نكون رجالاً لمذهب الحق المبين. أما إذا تصلبنا على عصبيات العناد وضيق الصدور فليس المآل إلا لما كان ويكون من ذل وهوان وتمزق وذهاب ريح، فقد قال جلَّ في علاه (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)

السيد محمد علي العلوي /

2 ربيع الثاني 1431هـ

18 مارس 2010

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *