الرئيسية / مقالات / ارفعْ، تنفتق!

ارفعْ، تنفتق!

كأنها واللهِ هي هي التي وعدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندما قال: (…..، والرابعة: صماءٌ عمياءٌ مطبِقَةٌ تمورُ مورَ الموجِ في البحرِ حتى لا يجد أحدٌ من الناسِ منها ملجأً، تطيف بالشام، وتغشى العراق، وتخبطُ الجزيرةَ بيدِها ورجلِها، تعرك الأمة فيها بالبلاء عرك الأديم، لا يستطيع أحد من الناس يقول فيها: مه مه، لا يرفعونها من ناحيةٍ إلا انفتقت من ناحيةِ أخرى).

لقد كان (صلوات الله وسلامه عليه وآله الطاهرين) في مقام وصف الفتن التي تقتحم الأمة في آخر الزمان حتى يحين وقت الفجر عندما ينفلق عن شمس الخلاص المهدوية، وعندما وصل في وصفه للفتنة الرابعة أشعَرَ بما نشعره اليوم والفتنة العمياء تعمل فينا عمل أبي جهل في آل ياسر، ولا أعلم ماذا بعد مانحن فيه، كما وأتسائل إن كان في الإمكان تفعيل الرسائل (الإيجابية) في المجتمع والرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) يصفها بأنها: (صماء، عمياء، مطبقة…)، ويزيدُ أن الواحدَ فيها لا يتمكن من رد الأذى ولو بـ (مه مه)، ثم يختم ببيان تمكنها بحيث أن بعضاً يوقفون نزيف جانب من جوانبها فتنفتق بفعل وقودها جوانبُ أخرى، فأي حال هو هذا الذي يصفه الرسول الخاتم (صلى الله عليه وآله)؟

إنني هنا أريد الإشارة إلى مسألة أراها غاية في الأهمية، وهي ضرورة الظفر بنظرة متوازنة تستهدف دائرة الاستثناء في قوله تعالى (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)، فضيق الوقت وتحذيرات الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) ودراسة المعطيات الموضوعية للزمن الذي نعيشه كلها تصب في مصب واحد هو لابدية الاستقرار في الدائرة وترك خيار الدخول أمام من يريد من الناس، هذا من جانب، ومن جانب آخر الحذر كل الحذر من تضييع الوقت مع (الفتَّاقين) خصوصاً إذا قام البرهان على أنهم من أولئك الذين (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ)، ويتأكد الأمر إذا ثبت أنهم (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ).

إن هذه النظرة وفي هذا الزمن بالذات تستدعي –للأسف- التعود على حياة الغربة تجنباً للاصطدام بواقعٍ مُرّ نُسفتْ فيه وتُنسفُ أوليات قواعد النفس الواحدة التي يذكرها المولى تبارك ذكره في قوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ)، ويهون ذلك أن يكون بعين الله عز وجل الذي وعد الصابرين خيراً فقال (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ).

نعم، إنه زمن تذوب فيه قلوب المؤمنين في صدورهم من شر ما يشهدون وقسوة ما يعاينون، وعزائهم الوحيد في كل ذلك يقينهم بوجود قلة هنا وأخرى هناك تملك الاستعداد لدخول الدائرة ترقباً ليوم الظهور المؤيد لصاحب الأمر (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، فعملهم الرسالي إذن ينبغي أن يوجه في هذا الاتجاه الرامي إلى تقوية القاعدة الإيمانية والمحافظة عليها حكيمة عاقلة متعقلة لا تؤثر فيها الهزاهز ولا تغير ألوانها نسيمات تعقبها زلازل، وليس مما يعول عليه في كل ذلك غير التمسك الحقيقي بالكتاب العزيز والعترة الطاهرة تمسكاً يعانق بيننا وبين الهدى فنبتعد بحول الله تعالى عن الضلال والضياع. وما ذلك على الله بعزيز.

السيد محمد علي العلوي /

23 ربيع الثاني 1431هـ

8 ابريل 2010

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *