الرئيسية / مقالات / ضعفُ القُوةِ وقُوةُ الضعفِ

ضعفُ القُوةِ وقُوةُ الضعفِ

قالها أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) قبل ألف وأربعمئة سنة مضت عندما وقف (هناك بالأمس وهنا اليوم) متحسراً فخرجت من صدره ملتهبة وهو يخاطب من كان معه ممن (يدَّعون التشيع): ” فيا عجبا والله يميت القلب ويجلب الهم من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم، فقبحا لكم وترحاً حين صرتم غرضا يرمى، يُغارُ عليكم ولا تغيرون، وتُغزون ولا تَغزون، ويُعصى اللهُ وترضون”.

واضحٌ أن أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) لم يرد الإشارة إلى القوة المادية بشكل مطلق، ولكنه أراد إرجاعها إلى قوة الاجتماع والتقارب الذي حتى لو كان على الباطل والضلال لأكسب أهله قوة يتمكنون بها من مصارعة الحق والخروج بانتصارات في أكثر من جولة وجولة، والظاهر أن الواقع شاهد بما يحققه الطواغيت من انتصارات متلاحقة وانتشارات امتدادية متوالية بالرغم من أن باطلهم جهوراً وضلالهم مشهوراً.

أما الواقعون تحت صولاتهم من الفقراء والمساكين والمضطهدين فخساراتهم لا تتوقف عند حد، حتى أنهم سلموا المال والأبناء في أيديهم ففقدوا أدنى مستويات حق الاختيار ولو على المستوى الذهني المحبوس عن الواقع الخارجي، أما السبب فهو ان هؤلاء افترقوا واختلفوا وتخالفوا في كل شيء، واتفقوا جداً وبامتياز مع مرتبة الشرف على أن الصراع والنزاع ونتيجة ذهاب الريح ضرورة وجودية لنوعهم، وهوية شخصية لوجودهم!

إن الذي نرتكبه اليوم من جرائم في حق ثوابتنا وقناعاتنا من جهة، وديننا ومذهبنا من جهة اخرى لهو تكرار أحمق لحوادث من الفشل غصت بها قرون من الزمن ابتداء من هبوط آدم (عليه السلام) إلى هذه الأرض وحتى إحكام قبضة الكفر على أعناقنا في القرن الواحد والعشرين مرروا بخذلان الناصر للحسين (عليه الصلاة والسلام) وقبله الحسن وأبيه (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، والأكثر من الفشل والأمَرُّ من مجموع الإخفاقات هو أننا لم نتعلم كيف نستفيد من التاريخ ووقائعه، فنأتي وبكل سذاجة لنكرر ماكان فنقع كما كان ذاك الوقوع، والسبب في ذلك هو أننا لا نزال في مقاسمة مع إبليس وارتماء سافر في أحضان (الشجرة) التي أمر اللهُ تعالى آدمَ وحواءَ باجتنابِها وعدمِ الاقترابِ منها.

إن هذه الشجرة اجتمع حولها الأبالسة والشيطانيون وغذوها وحموها مما هو لها آفة قتالة، وعندما كبرت ونمت أخذوا من بذورها وانتشروا في الأرض مجندين الأفواج والأفواج من الجن والأناسي حتى يقوم كل واحد ومجموعة ببذر الباطل هنا وهناك وبين الهنا والهناك حتى أصبحت شجرة إبليس هي الظاهرة الطبيعية التي تمد الأرض وماحوت بالغذاء و(الحياة)، وبذلك انحسر آدم التائب في بعض زوايا هذا الوجود الدنيوي البائس حتى أصبح من الظواهر المتخلفة في فهمها والرجعية في فكرها، والسبب في هذا الانقلاب الشرس هو أن قوماً اجتمعوا على باطلهم فانتشروا، وقوماً تفرقوا عن حقهم فقلوا واضمحلوا.

إن مانعانيه اليوم ليس في اختلافاتنا على المستوى الطائفي بين شيعة وغير شيعة، ولكن مرّ الواقع هو في تسلط الأَكَلَة على جذور الجامع الحق الذي يجمع شيعة علي (عليه الصلاة والسلام) وهو جامع الولاية الذي يصرح المعصوم (عليه الصلاة والسلام) في شأنه فيقول: “مانودي بشيء مثل ما نودي للولاية”. فماهو الحل للخروج من هذه المهاوي المخيفة؟

عقود من الزمن ودعوات الإصلاح تنطلق هنا وهناك ولكن الفائدة والنتيجة حضلة جداً بالقياس مع ماينبغي أن يكون عليه أبناء المذهب الحق، ويبين لنا القرآن الكريم محور الأسباب فيقول: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، ولكنه ياتي أيضاً بأنجع الحلول فيقول: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ).

فالحل إذاً في إزالة هذا الرين الذي علا القلوب، وطريقه هو التوبة وترتطيب اللسان بالذكر قولاً وفعلاً، ومن بعد ذلك تأتي النتائج عفية على يد الغيب الإلهية التي تقاتل مع المؤمنين فتنتصر لهم وتثبت أقدامهم، وهذه هي القوة التي نستقوي بها، وهي نفسها القوة التي تضعفنا في عين الوقت التي فيه نهجرها.

لذا فإن ما ننادي به اليوم هو ضرورة العودة إلى روح الإيمان الحق بغرض تطهير النفوس وتنقية القلوب من أدران البعد عن الله تعالى ورين التعلق بأذيال الشيطان اللعين، وحينها فقط ندرك معنى أن نكون امة واحدة تعلو ولا يُعلى عليها. وماذلك على الله بعزيز

 

السيد محمد علي العلوي

13 جمادى الآخرة 1431 هـ

27 مايو 2010 م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *