الرئيسية / مقالات / صِدقُ القِيمَةِ وَقِيمَةُ الصِدقِ

صِدقُ القِيمَةِ وَقِيمَةُ الصِدقِ

لماذا كان الدين؟ وماهي وظيفتُه في الإنسان؟

خلق الله تعالى الإنسان وأسجد له ملائكته المقربين وأدخله جنته جنة النور وجعلها كلها تحت تصرفه إلا شجرة واحدة نهاهه عنها وحذره من دفع الشيطان الرجيم نحوها، ولكن غير المرجو وقع (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) فكان أن (وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)، هذا ومن الواضح أن الشهود في ذاك العالم العلوي من المفترض أن يكون كافياً لنفي الزلل ورفع خطره من رأس، إلا أن العزم خان والثبات على العهد ضعف فصُنِعت المعصية من ذيان وذاك، وهذا هو حال الإنسان إذا لم يوجد في داخله ما يحافظ به على إنسانيته التي تشكلها مجموعة من القيم الثابتة مهما تغير الزمان والمكان..

إنه الدين، أي القانون المشتمل على قواعد إلزامية كانت من المولى تبارك ذكره من أجل المحافظة على القيم فالمحافظة على إنسانية الإنسان.

في قضية إنسانية الإنسان نُقَعِّدُ على قوله جلَّ شأنه (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)، فالصورة الآدمية لا تعني وجود إنسان في داخلها، بل قد يكون المُحتوى أكثر ضلالاً من الأنعام، وهذا يتحقق بمجرد أن يستهين الفرد بقضية القيم التي تتقوم بها إنسانيته.

عندما نتحدث عن القيم فإننا نشير إلى مجموعة من السلوكيات الإنسانية الثابتة والتي يتحقق بها ميزان السعادة والجمال والخير على المستوى الروحي الذي هو الأصل في الإنسان، وعندما ندافع عن ثبات القيم فإننا ندافع عن هذا الميزان الإلهي الذي ما إن يصاب بشيء من الخلل حتى يسري الدمار إلى مجموع النوع الإنساني مهما تباعد أفراده مكاناً أو زماناً، وهذا ما يقرره الله سبحانه في قوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ) حيث إن الإنسان الفرد هو فرد في ذاته، ولكنه ليس كذلك في ترابطه الروحي مع الآخر النوعي المشترك معه في الأصل النفساني.

إن هذا البعد الأهم في الوجود الإنساني يحتاج إلى آلية دقيقة تحافظ عليه حتى لا تتكرر معصية آدم على مستوى الإنسانية بماهي إنسانية فلا يبقى طريق للخير أبداً، فكانت آلية القيم الثابتة مثل: الأمانة، والحياء، والصدق، والعفة، واحترام الغير، والسلم والسلام، والحوار، والتعارف، وما إلى ذلك من قيم تقوم عليها الإنسانية التي أرادها الله تعالى محققة لوظيفة الخلافة الإلهية (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)، فالقيمة بهذا الفهم قانون إنساني ومعيار للآدمية يحافظ عليه الدين والتدين.

ومن هنا نقول بأن الدين حياة القيم، والقيم روح الإنسان الخليفة، فإذا غاب الدين أو التدين كانت القيم على كف عفريت لا يطول بها أمد حتى تنقلب من ثوابت إلى متغيرات يرفضها مكان ويدهسها زمان، ومن هذا حذر الله تبارك ذكره فقال (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ)، كما وحذر المؤمنين فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ*كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ).

إن الصدق في التعاطي مع القيم والبناء عليها شرط في استمرار الخير وتجنب الفساد والإفساد، وبالمثل فإن اتخاذ القيم شعارات وعناوين خاوية تعني انخلاع أبواب الخير من مفاصلها فلا يبقى شيء من الجمال في مأمن من توظيفات الشيطان وتوجيهات جنوده، وهذا نراه عياناً في مساحات كثيرة من مساحات مجتمعات ألفت الكذب فشرعنته واستألفت النفاق فقرأنته، كما ومالت بها الأهواء نحو التفسخ فجعلت من عصرية (التدين) ستاراً وتطور (الفقه) شعاراً، وكله باسم الدين يسلك مسلك المتاجرة في أسواق منابر الشر ومحاريب الإفساد.

تعالوا نقرأ واقعاً نعيشه اليوم اعتبرت (الفوضى) فيه النقدَ عنفاً، والنهيَ عن المُنكرِ مُنكَراً، وبالتالي أصبح المعروف في احسن حالاته رجعية، والتصحيح في أجود الأحوال تخلفاً، حتى أن الدفاع اليوم عن قناة فضائية فاسدة مفسدة أشد ضراوة من الدفاع عن قضية تتعلق بها كرامة الإنسان وقيمته كإنسان لا حيوان، فلو وضعت اليوم مقاطعة فضائيات الغناء في مقابل (بيت) لكل مواطن لما مال من غير القِيَميين (وما أكثرهم) إلى المقاطعة إلا ذاك الذي لا يملك (دش)!

كما وأن نساء ونساء قد يعطلن الزواج إن لم يوفر الزوج (فستان أبيض) لزوجته!

وفي مساحة هي بالقرب من تلك المساحة (يتبورص) الثقلان بين فساطيط المتناحرين… (قربة إلى الله تعالى)!!..

تعساً لها من مجتمعات ترفض الحياة بكل إصرار وتطلب التبلد بكل عزم وإرادة، هذا والآخر يعمل فيها (بالرموت كنترول) وهي تحسبه التطور والتمدن!

لا أدري إن كان المقام مقام ضحك أو بكاء..!!

حين يأتي وقت الفهم فنلتفت إلى أننا نُقبر أنفسنا بأيدينا ونقضي على وجودنا الفكري بمعاول شقوتنا، ينبغي لنا الالتفات إلى أن القيمة صادقة دائماً ولايمكن أن تكون مصدر تِيه لإنسانها، ولكنها في وجودها السلوكي تحتاج منه إلى صدق قِيمي حتى يكون واعياً لطبيعة المعادلة.

فهل أنت من أهل القيم؟ امتحن نفسك في الصلاح والإصلاح، واستمع لنداء الوجدان الذي ما إن تخالفه حتى تكون قد قذفت بنفسك في ضياع اللاقيمية، وبالتالي اللاإنسانية، فيكون المآل إلى (فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ)

وأرجو أن لا يكون هو الحال..!!

السيد محمد علي العلوي

11 رجب 1431 هـ

23 يونيو 2010 م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *