الرئيسية / مقالات / الموت لحياة الموت.. الموت الموت الموت

الموت لحياة الموت.. الموت الموت الموت

عندما يلامس رأسُ إبرة أو دبوس جلدَ إنسان فإن خلايا استقبال الألم المنتشرة في الجسم تبعث رسائل سريعة جداً إلى المخ عن طريق قنوات ومؤشرات خاصة كلما قويت وكانت صحيحة السيرة كان انتقال رسالة الإحساس أقوى وأسرع، وفي بعض الحالات قد لا تفيد قوة وصحة هذه القنوات الحسية إذا كان المخ ميتاً لا يملك القدرة على استقبال رسائل الشعور والإحساس، لذا فعندما لا يستجيب إنسان إلى وخزات الإبرة أو حرارة الجمرة كان على المعالج البحث عن موقع الخلل بالضبط حتى يوجه العلاج له مباشرة، فقد يكون الضعف في أجهزة الاستقبال الأولية من خلايا وأعصاب، وقد يكون في نفس المخ، وفي جميع الأحوال يبقى القطع قائماً بوجود خلل ما لا محالة؛ فالإنسان الصحيح لايمكن إلا أن يستجيب ويتأثر بما يعرض على جسمه من أمور مثل الوخزة أو الحرارة أو البرودة.

هناك حدث، واستقبال أول، وإرسال، واستقبال ثاني، فانفعال بحجم الحدث، أما الحدث فهو وخزة الإبرة –مثلا-، والاستقبال الأول هو تأثر خلايا الاستقبال التي منها وغيرها من الأعصاب يكون الإرسال إلى المخ وهو منطقة الاستقبال الثانية فينفعل بحجم الحدث (وخزة الإبرة).

ثمة إشتراك بين ما يصل إلى المخ من رسائل شعورية على المستوى الفيزيائي وبين ما يصله على المستوى المعنوي والفكري، فهو في كل الحالات يمثل منطقة الاستقبال الأخيرة، ومصدر الانفعال الرئيسي.

قد يتلقى إنسانٌ خبراً بسقوط إبنه الصغير –مثلاً- من على الطاولة فنجده وبمجرد تمام عملية الاستقبال يهب مسرعاً في حركة انفعال سريعة تظهر مدى حبه وتعلقه بابنه الصغير، ولكنه عندما يسمع بأن إبنه الآخر والذي يبلغ من العمر عشرين سنةمثلاً- قد سقط من على نفس الطاولة فإن قوة الانفعال لا تكون بنفس المستوى في الحالة الأولى، ولذلك لأن الإبن الأكبر قد لا يتأثر من السقوط من على طاولة كما وانه قادر على إدارة نفسه في مثل هذه الحالات.

إذاً، هناك عملية وزن معيارية دقيقة جداً توجه مستوى الانفعال الذي يشكله المخ مع استقباله الحالة الحادثة، والخلل في هذه العملية يؤدي إلى عدم إعطاء الحدث حجمه الطبيعي، وهذا يشير إلى مرض نفسي أو عصبي يعاني منه الإنسان محل الاستقبال والانفعال.

إن هذا الذي مَرَّ يُمثل كُبرى يقاس عليها من أجل الوصول إلى نتائج مستقيمة ترسم لنا معالمَ تشخيصٍ دقيق لحال الإنسان في مجتمعنا (الغريب)..

لاحظ معي..

تقوم عندنا جملة من القرائن الموثقة والمعتبرة على أن ثقافة عبدة الشيطان بدأت في اقتحام مجتمعاتنا بمقدمات كثيرة من قبيل الشعارات والألبسة والموديلات وقصات الشعر وما إلى ذلك، مما دعى أصوات التحذير إلى الانطلاق من على المنابر وفي الكتب والمقالات والمنتديات وغيرها والأمل يحذوها بأن يَهبَّ المجتمع في حركة سريعة لمحاربة هذه الظواهر الشيطانية المجرمة، وهذا هو الطبيعي إذا كانت أجهزة الاستقبال والإرسال والإنفعال عند الناس سليمة مستقيمة.

ولكن الحاصل هو أنه ومن بعد المحاضرة أو المقال او الكتاب تأخذ الأم ابنها أو ابنتها إلى السوق لتشتري له أو لها ألواناً من القمصان والسلاسل والأحذية التي مرقها عبدة الشيطان من أجل التقديم لغزو كبير سوف نشهده في العاجل العاجل العاجل..!!

وبجانب الأم يذهب الأب مع إبنه إلى محل حلاقة الشعر ليزينه على طريقة عبدة الشيطان بلا فرق!!

أين الخلل؟؟

في مشهد آخر تسطر عشرات الأحاديث النورية لأهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) التي تتحدث عن فضل صلاة الجماعة وانها خير من الصلاة في البيت وأن الذي يصلي الخمس في جماعة فظنوا به خيراً، وأن جار المسجد لا صلاة له إلا في المسجد، وأنه إذا لم يكن من حاضري الجماعة فحرقوا عليه داره!!

يستمع أو يقرأ عشرات ومئات من الناس هذه الأحاديث العتروية، وعندما ينادى للصلاة يقوم السواد الأعظم منهم بأداءها في البيت، ومن بعد الانتهاء يعاود تكملة القراءة!!

أين الخلل؟؟

إنني اتسائل هنا، أين هو موقعنا من قول الله تعالى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)؟

ما الذي أوصلنا إلى هذا المستوى من الضمور التعقلي إلى درجة أننا فقدنا حتى الأدنى من مستويات التفاعل مع نداءات القرآن الكريم وترجمانه الأصدق وهم أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)؟

العين ترى، والأذن تسمع، ولكن العقل لا ينفعل، فالخلل إذاً فيه لا في غيره مما يعني أننا نعاني من مرض في العقل جعلنا في حالة من البعد عن أصل الرسالة الإلهية القاضية بأنه عز وجل إنما خلق الإنسان من أجل السعي في طريق تحقيق الخلافة السماوية في هذه الأرض.

إن ما نحتاجه اليوم هو العمل على هدم كل الثقافات الفاسدة من غير تهاون ولا مداراة، وهذا الهدم ينبغي أن يكون في داخل الإنسان نفسه حتى يعود إلى حالته الأولى فيكون قادراً على أن يتلقى ثقافة النور الإلهية وبالتالي السرعة في التجاوب مع نداء الحق ليخرج من دائرة الذين لا يفقهون ويعانق أصحاب العقول الذين يستجيبون للحياة إذا دعاهم الله ورسوله لها.. فلا شيء غير الهدم ومن بعده البناء، وهذا يعني ضرورة التسليم لجملة من التضحيات التي لا يقوى على تحملها إلا أولئك الذين يرومون رضا الله عز وجل..

إن خطابي في هذه السطور لا أوجهه لمن فقدوا القدرة على الانفعال والاستجابة، ولكنني أخاطب القادرين على ممارسة المهمة الجديدة وهي مهمة الهدم والبناء، فهل يستجيبون، أم…؟

السيد محمد علي العلوي

22  شعبان 1431 هـ

3 أغسطس 2010 م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *