الرئيسية / مقالات / مؤلمٌ عَصْرُ الجُرحِ وتَطْهِيرُهُ.. وَلَكِنْ!

مؤلمٌ عَصْرُ الجُرحِ وتَطْهِيرُهُ.. وَلَكِنْ!

أشعر بميل وتفاعل كبيرَين مع التعريف الأشهر للفلسفة وهو”البحث عن الموجود بما هو موجود”، ومعناه البحث والنظر في العلة الأولى التي تحكم الكل، ومؤدى ذلك الوقوف على الحقائق بعيداً عن العوارض الصارفة عنها غالباً (إن لم يكن دائماً).

إنّ هذا النمط من التفكير ينقلنا مباشرة للبحث عما يقف واقعاً وراء ما نشهده من حوادث على مختلف المستويات والأصعدة، لذلك فالفيلسوف لا يتفاعل مع العلاجات التي تركز على مداواة القروح وتهتم بتضميدها وحبسها عن العيون، ولكنه يؤمن بضرورة فتحها وبذل قصارى الجهد في معالجة أصل الجرح وتطهيره وحمايته من الميكروبات ، حتى يضمن لها الأمن من أية تقيحات عادةً ما تأتي بميكروباتها منه إذا لم يعالج بجدية.

اليوم، يشهد المجتمع حالات متزايدة من الخروج على الطبيعية الإنسانية والقوانين السماوية بما لا يدع فرصة لدعاة ما يسمى بالنظرة الإيجابية إلى أن يغطوا أو يجمّلوا ظهور العلاقات خارج الإطار الشرعي بين الشباب والبنات، كما وليس في وسعهم التخفيف من تزايد تعاطي المخدرات بين الشباب، وانتشار ظاهرة (البويات)، واختلاس الأموال، والاستثمارات الوهمية والسرقات، وتجاوز نسبة الطلاق لأكثر من خط أحمر.. وغيرها من المهاوي والمزالق المهلكة التي يقال في مقام التشخيص بأن ثمة أسباب تقف من ورائها مثل : الوضع الاقتصادي والعلمي والثقافي..

وهذا كلام مردود؛ فالولايات المتحدة الأمريكية تسيطر على العالم بأسره اقتصادياً وعلمياً وثقافياً، وفي نفس الوقت فهي في الصدارة على مستوى إدمان المخدرات وحالات الاغتصاب والسرقات والقتل وما نحو ذلك، وبالرغم من أن القوة الأمريكية أركعت لطاغوتيتها أصحاب الدنيا، إلا أنها سجّلت أعلى أرقام الفشل في تربية الإنسان، ولذلك فإن إنسان الصياغة الأمريكية اليوم محترفٌ في تدمير نفسه قاصداً مُريداً، والمشكلة أنّ هذه المصانع الأمريكية امتهنت تصدير إنسانها المفرّغ من القيم إلى مختلف بلاد العالم، فأصبح عندنا أمريكي بطربوش، وآخر بشماغ وعقال، وثالث ببدلة بنجابية، وبذلك كثرت مشية الغربان التي رامت تمايل الحمامة فلم تصبه ونست تهاديها!!

ينظر الحكيم إلى هذه الحالة على اعتبار أنها نتاج أمرين رئيسيين، أحدهما تجميد الدين عند بعض المفاهيم التعطيلية، والآخر الانفتاح بلا حدود ولا موازين على ثقافة الأقوياء (سياسياً واقتصادياً وعلمياً وثقافياً)، وعليه فإن الطريق لمعالجة النكبات السلوكية والانحرافات الأخلاقية التي بدأت بإغراق مجتمعاتنا لا يكون بتقوية الاقتصاد؛ لأن الاقتصاد محكوم من هناك عند الأمريكيين، كما ولا ينفع الاستقواء علمياً (العلم الدنيوي الذي تفرضه القوى الكبرى)؛ فالعلم يدار من البيت الأبيض، وكذلك السياسة فإنها مُصاغة على حسب المقياس الأمريكي فقط، وهذا يعني أن أي علاج نقصد به (القروح) فمؤداه واحد وهو توثيق الارتباط بالثقافة التي كانت ولا تزال هي السبب الأوحد في إحداث هذا الكم الهائل من الجروح والطعنات في إنسانيتنا المهجورة.

إن التغيير الذي يطلبه عقل الحكيم هو التغيير الجذري الذي لا يعترف بالمبررات المألوفة عند المنهزمين نفسياً والمتقوقعين في داخل زنزانة التسليم للواقع، وهذا هو التغيير الحقيقي الذي يقرره القرآن الكريم في قوله تعالى “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ، فالقضية إذاً ليست في العوارض والظواهر، ولكنها في ذات الثقافة بثوابتها وقناعاتها وأفكارها، وهي التي يعبر عنها القرآن الكريم بـ (مَا بِأَنْفُسِهِمْ)، أما تلك التي يصرف الناس أعمارهم في مصارعتها فهي شأن الله عز وجل، أي أن التطور المدني في المفهوم القرآني رهين إصلاح النفس، ومخالفة هذا القانون الإلهي يعني وبشكل مباشر الوصول لما نحن عليه اليوم من تطور علمي باهر وتسافل أخلاقي مخزي.

رسّخت الثقافات الدخيلة مجموعة من المفاهيم المنحرفة التي تبدو حقاً في أولها، ولكنها عيناً من قبيل رفع عمرو بن العاص للمصحف في صفين، وقد قالها أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام): “كلمة حق يُراد بها باطل“.

قالوا بأن السلاح الوحيد لمواجهة صعاب الحياة هو الشهادة العلمية التي تصرفها المدارس والجامعات للناس، وقالوا بأن قيمة الإنسان بما يملك، ولذلك على الواحد أن يجتهد في دراسته من أجل الحصول على وظيفة (ترفع الرأس)، وقالوا الحقوق (يبغي لها حلوق)!!!

قالوا ما قالوا في قبال القرآن الذي يقول: ” وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ”، ويقول: ” وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا”، ويقول: ” وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ”، ويقول: ” وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ“.

إن كل الشواهد القرآنية تشير بوضوح تام إلى أن تدبير أمر المعاش من أوله إلى آخره، وبما يفوق خيال الإنسان وتصوره إنما المتكفل به هو الله عز وجل، أما المطلوب من الإنسان فهو ما يتعلق بأمره مع السماء من إيمان رسالي وتقوى رسالية وورع رسالي وروح رسالية أبية.

لقد تجاوزت محاولات الإصلاح (القروحية) والتي امتدت لأكثر من قرن حد الاحتمال، فنتيجتها تخلُّف مستمر وانحدار مشتد، لذا فإن الكلمة اليوم ينبغي أن تكون لنظرة الحكيم الذي يؤمن بالبحث عن الموجود بما هو موجود، بعد أن استدام انقطاع نفس المتصنمين عند حد العوارض حتى أنهم وللتغطية على ضعف تعقلاتهم تبنوا منهج التكفير والتضليل والتسقيط مع كل من يأتي بطرح جديد لا تقوى عقولهم على استيعابه.

أختم هذه السطور بنصيحة لوجه الله..

مع ما تقرأون من كتب، جربوا قراءة: (السبيل إلى إنهاض المسلمين – الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام – ممارسة التغيير) للسيد محمد الشيرازي (قدس سره)، أما إذا كنت ممن قرأوا هذه الكتب فنصيحتي أن تعيد القراءة لأكثر من مرة. والله من وراء القصد. 

السيد محمد علي العلوي

25 شعبان 1431هـ

6 أغسطس 2010

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *