الرئيسية / مقالات / ثقافة السنانير..!!

ثقافة السنانير..!!

يتمتع السنور (القط) برشاقة رائعة، فهو في حركته من ركض وتغيير مسار كالفهد القناص، كما وأن لنظراته وحدتها وقع مميز جداً خصوصاً قبيل الوقت الذي ينوي فيه الانقضاض على شيء ما حتى لو كان ورقة، وكذلك ضربات يديه فهي قوية ومركزة تستند إلى طول بال عجيب.. هذا هو القط وما يتمتع به من مميزات ومقومات من المفترض أن تجعله مخوفاً يُحسب له ألف حساب، إلا أن الواقع خلاف ذلك فحتى الطفل العابث يستصغر القط ويستضعفه، والغلمان الأشقياء يجعلونه مادة لتفريغ الطاقات العنفية، فمنهم من يضعه في كيس يلوحه بكل قوة حتى يدوخ القط في داخله فيركله هذا برجله ويصفعه ذاك على ظهره، وقد رأيت في بعض الأزمنة الغابرة أحد الشباب الأشقياء وهو يمسك قطاً من رقبته بيد ومن ذيله باليد الأخرى ويعاكس في السحب بينهما بكل قوة حتى يؤثر ذلك في فقرات عموده الفقري إلى درجة أنه يصاب بشيء يشبه الشلل!!

لماذا كل هذا الاستضعاف للقط وهو يملك مقومات القوة و(الكرامة)؟ أتدرون لماذا؟

لأن من السلوكيات المتجذرة في القطط أنها تخوف وتجبن نفسها دائماً، فهي لا ترى شيئاً.. أي شيء، إلا وأخذتها الرهبة والخوف فتجدها تتحرك بشكل غريب وتنظر بنظرات حذرة جداً وربما ولت هاربة دونما أدنى داع للهرب، بل ولا حتى الخوف، ولذلك حل محل قوتها و(كرامتها) استصغار من الآخرين لها.

إننا اليوم نشبه (السنانير) في كثير من مفاصل فكرنا حتى وصلنا إلى درجة نتوهم فيها المخاطر ونتخيل المزالق في أرض رحبة خصبة جميلة خضراء غناء، حولناها بفعل تجبيننا لأنفسنا إلى خربة متصحرة جرداء، فنحن اليوم نعيش هكذا في حالة من الضياع واللاهدفية بما كسبت أيدينا من مسالك فكرية مبنية على الوهم والشك والخيال والتخوف، هذا في الوقت الذي نقرأ فيه قول الحق تبارك ذكره (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)، ونقرأ قوله تبارك ذكره (ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا) و(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)، فلماذا فقدنا روح الإقدام والعمل تحت ظل توفيقات الله سبحانه وتعالى وتأييداته؟

لماذا نتغنى بمثل هذه الآيات الكريمة ونطرب إلى سير المعصومين (عليهم الصلاة والسلام) وبطولاتهم ومواقفهم الأبية، في الوقت الذي نعجز فيه عند أقل موارد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأبسطها حينما نرى بأم العين في الأسواق والمجمعات (شلل) الشباب المائع وهم ينتهكون أخلاقيات الدين وأدبيات التدين، بل وأكثر من ذلك أننا لا نقوى على رد باطل سافر يعلن عن نفسه بكل وقاحة في وسط مواكبنا الشعائرية عبر قصات الشعر والتبرج والميوعة!!

نسكت وندس الرؤوس في التراب ونحن نخوف أنفسنا من نفور الناس من التدين عندما نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، والعجيب أننا نخوف انفسنا بهذه الأباطيل وكأن ساحات التدين زاخرة بالمتدينين!!

نفر الناس من التدين فعلاً عندما لم يجدوه محترماً مقدراً من رواده وأهله..

نفر الناس من التدين فعلاً عندما وجدوا أهله يعملون بخلاف قوانينه، ولو أن فريضتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حكمتا حسب الأصول والموازين لتمسك الناس بالتدين ودافعوا عنه كجهة تمنحهم الهوية الحقيقية والقوة الواقعية، ولكن الذي حصل هو خلاف ذلك تماماً.

إننا في هذه الحياة الدنيا لنستوفي مساحة زمنية قررها المولى تبارك ذكره لكل واحد منا بحسب أعماله وبذله حتى يرجعه مرة أخرى لعالم الخلود، فإما إلى جنة عرضها السموات والأرض، وإلا فنار تلظى لن ترحم كائن من كان إذا ثبت بأنه عاود الاقتراب من الشجرة التي أخرجت أبانا آدم من الجنة، فليس الذي عاش آلاف السنين خلد في هذه الدنيا وليس من أحد غيره وعد بالخلود فيها (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ)، فالقضية ليست نزهة أو وقت يقضى وانتهى الأمر، ولكنها قضية جادة وأمرها حتمي، وحين تدق ساعة السماء لن ينفع قول (رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ) لأنه سوف يلجم بقول الحق عز وجل (كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).

فأي وقت هذا الذي نضيعه في هندسيات وهمية وخرائط تجبينية ترمي بنا في مواكب الخسران وقوافل الضياع؟ وأي خوف هذا الذي نؤسس عليه والحال أن الوعد الإلهي بالرضا والتوفيق والفوز بالجنة صريح بين؟

في حقل نسجل اليوم حضوراً ريادياً؟

في السياسة؟ في الاجتماع؟ في التربية؟ في الاقتصاد؟ في الحالة النفسية للمجتمع وطمئنينة الناس؟ لاءات تتسطر بكل قوة أمام كل سؤال من هذه الأسئلة، وهذا يعني أننا في الاتجاه الخاطئ جداً، ولا مجال للتبرير على الأطلاق، لذا فنحن في حاجة ماسة إلى رجوع حقيقي نتمسك فيه بأصول التدين وواقع الالتزام بالثقلين العظيمين، القرآن الكريم والعترة الطاهرة، وعندما نحقق هذا التأسيس بالشكل الأتم حينها فقط سوف يقودنا إقدامنا وترتفع راياتنا ليكون عنوان ولائنا لأهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) عنوان عزة وكرامة، لا عنوان تخدير و(تنبله)..

السيد محمد على العلوي

25  رمضان 1431 هـ

6 سبتمبر 2010 م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *