الرئيسية / مقالات / في أي حين تأتي؟

في أي حين تأتي؟

هذه هي حياتي كما حياة الآخرين، لكل مقام فيها مقال، ففي أغلب الأيام أوصل أبنائي إلى مدارسهم صباحاً ثم أتوجه إلى الحوزة للدرس والتدريس والإدارة حتى يأتي وقت خروج الأبناء فأذهب لأخذهم ثم أقفل راجعاً إلى البيت فأتناول وجبة الغداء وفي الأغلب أبدأ بعدها بالقراءة والكتابة وما نحو ذلك إلى قبيل المغرب حيث الذهاب للمسجد وأداء الصلاة جماعة هناك.

بعد ذلك أعطي دروساً مسائية في التدبر والفقه والمنطق والعقائد ليلة للرجال وليلة للنساء، وإذا انقضى وقت الدروس رجعت إلى البيت ثانية، وغالباً ما أواصل المطالعة والكتابة حتى موعد النوم.

تتخلل هذا البرنامج اليومي أوقات الصلاة والعبادات، والأكل ودخول الحمام، والجلوس مع الأهل ومانحو ذلك من قضايا مماثله..

حركة دائمة أستمتع بها كثيراً، فأنا أحب عملي بشكل كبير جدا..

في بعض الليالي أجد فكرةً تسيطر على تفكيري ولا أتمكن من التخلص منها ما اجتهدت..

في أي لحظة من لحظات يومي سوف يحل بي الموت؟

هل سأكون وحدي فتنتظر جثتي من يحركها حتى يكتشف موتي؟

هل سوف يحل بي الموت وأنا أسوق سيارتي؟ هل سأكون في طريقي لتوصيل أبنائي؟ كيف سيكون حالهم وهم يرون أباهم وقد أصبح جثة بلا روح؟

هل سأكون في حلقة الدرس؟ كيف سيتصرف الطلبة؟ ولو كان في بعض الدروس المسائية للنساء.. كيف سيكون حالهن؟

أم أن الموت سوف يحل بي وأنا على سريري أنتظر شروق يوم جديد؟ كيف ستكتشف زوجتي الأمر وكيف ستواجه به أبنائي؟

صور كثيرة تمر في مخيلتي وكأنها ذكرى من رب العالمين أن أشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيك، ولا تجزع من الموت إذا حل بناديك، كما أضحكك الدهر كذاك الدهر يبكيك.. السلام عليك سيدي يا أبا الحسن..

إنها الحقيقة الحقة التي لايمكن لأحد الفرار منها، فساعة الموت آتية لاريب فيها، ولو ظننا أن البروج العالية تحمينا منها فإنا على غباء فرعون نسير.. إنها آتية لتنقطع صلة التجدد للعبد مع هذه الدنيا، وحينها لا يبقى غير العمل الصالح المبني على أساس النية الصادقة، أما ما ظاهره صالح وباطنه كذب ودجل ونفاق فهو الوبال بعينه ساعة الاحتضار..

آه بل آهات طوال وزفرات حارقة من نفس لا أدري إن كانت زاكية عند بارئها أم أنها من المغضوب عليهم والضالين..

ماذا لو مت ونُسيت إلى يومين أو أكثر..!! آه وآه من حالي كيف سيكون.. تفسخ وتقيحات وعفونة تفر منها الدواب.. آه من حالي عندما يقرف الناس من الروائح المنبعثة من جثتي المتفسخة.. آه آه، واحسرتاه على أيام أنستني ساعة الرحيل.. آه آه..

ماذا لو حل بي الموت وأنا أتفكه باغتياب هذا واتهام ذاك والاستهزاء بثالث والنميمية بين رابع وخامس؟ يالها من ميتة سوء..

ماذا لو قبض ملك الموت روحي وقلبي يملؤه الكره والحقد على هذا وذاك؟

ماذا لو أنشب الموت أنيابه في أيام عمري فقطعني عنها وأنا معرض عن مؤمن لهفان يطلب العون مني؟

متى تأتي يا موت؟

هل تأتي وأنا غارق في ذنوبي لا حياء عندي من خالقي ولا خوف؟

هل تأتي في الوقت الذي تلعنني فيه الملائكة من سوء أعمالي؟

متى تأتي يا موت؟

أعلم أنك آت لا محالة، وأعلم جيداً أنني أمامك مسلوب القدرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فقبضتك أيها الموت قبضة مرعبة تفقد فيها الروح القدرة على البقاء في جسدها حتى قبل استحكامك، فرهبتك تخلع القلب من بين الأضلاع أيها الموت.. أعلم كل ذلك ولا أرعوي.. أعلم ولا يؤثر علمي في عملي.. فواحسرتاه على عمر يمضي وموت يقبل وأنا بين هذا وذاك في غفلة وضياع..

آه آه على حالي لو داهمني الموت وأنا ثمل من الذنوب والمعاصي..

تعالي يا نفسي نموت عن  شهوات هذه الدنيا وحماقاتها قبل أن يلف الموت نيرانه علينا، ثم تعالي لنحول حياتنا إلى ساحة غناء من العمل والعمل والعمل حتى لا يحل علينا الموت إلا ونحن في حال عطاء لله سبحانه وتعالى..

تعالي يا نفسي قبل أن تخمد الأنفاس فلا ينفع قول: ربِّ ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت..   

السيد محمد علي العلوي

5 شوال 1431 هـ

14 سبتمبر 2010 م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *