الرئيسية / مقالات / مسؤولية التاريخ بين التطبيق والتلميع

مسؤولية التاريخ بين التطبيق والتلميع

علم التاريخ عبارة عن  صفحات ذهنية أو ورقية تسجل فيها مجموعة الأحداث التي وقعت في الزمن الماضي قريباً كان أو بعيداً، أما فائدته فتظهر في مدى الإستفادة من تلك الوقائع على المستوى العملي، وفي هذا المضمار قال الحق تعالى (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)، وقال سبحانه (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ).

فالتاريخ عند العقلاء مسألة في غاية الحيوية إذ أنهم يبنون حاضرهم ويؤسسون لرؤاهم على ضوء موضوعية الحدث التاريخي، ومن هنا تحديداً تأتي أهمية الدقة القيمية في بناء الحاضر لأنه وبكل بساطة يتراكم مع غيره لصياغة المستقبل.

ثمة عامل حيوي آخر يتدخل بقوة في انتقاء البناء للحاضر والمستقبل على قواعد الأحداث التاريخية، وذاك هو الفطرة الإلهية التي فطر الله الإنسان عليها.

ينتخب الأسوياء السير التاريخية المستقيمة لصياغة حاضرهم ويتمسكون بها تمسكاً ربما قاد في بعض الموارد إلى العصبية والتعصب، وفي المقابل تجدهم يقاتلون في رفض وتثبيت الرفض للسير العوجاء التي تتكرر على نحو الخسران الإنسي (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ)

في هذه السطور نريد أن نبين دور الفرد في كتابةِ حاضرٍ سرعان ما يتحول إلى تاريخ يخضع إلى ذائقة الفطرة السليمة، فإن كان مما ترفع به رايات التكامل الإنساني حُمِدَ وخلد، وإن كان مما تدفع به عجلة التسافل والسقوط زُيِّفَ مِنْ جهة ولُعِنَ من أخرى، وخير مما يستفاد منه في هذا المضمار سيرتين، الأولى هي سيرة الأطهار من آل محمد (صلى الله عليه وآله)، والثانية سيرة الطغيان الأموي.

في البدء نريد الترسيخ لحقيقة لا تُنكر، وهي أن الدفاع عن آل محمد (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) هو دفاع عن التطبيق بعد ما تم بالفعل تجاوز مرحلة التصديق، أما الدفاع عن الأمويين ومن لف لفهم فهو دفاع عن التصديق، وشتان بين الموضوعين..

يمجد كل فريق صاحبه التاريخي إلا أن تمجيد المؤمنين لأهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) هو في واقعه تمجيد ينطوي على إرادة باطنية للعودة بالإنسان إلى سيرته الاستخلافية التي أرادها الله تعالى له في قوله (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، أما تمجيد أصحاب نظرية (تلميع الزائف) فهو إرادة باطنية للبرهنة على حقانية (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) وهي عقلية تدعمها مجموعة من المغالطات التاريخية المقصودة حتى أصبحت في مواجهة أحد أمرين، فإما أن تواصل التلميع على حساب القيم الثابتة والمسؤولية أمام الله تعالى، وإما أن تدك جبالاً من الموروثات العوجاء وتسلك مسلك الاستماتة في الدفاع عن الحق على مستوى التطبيق والممارسة، وواضح أن الأغلب من أتباع مدرسة التلميع اختاروا المنحى الأول!

إن ما نواجهه اليوم من تحديات على مستوى الصياغة الفكرية للأمة يستوجب منا الإصرار على تقوية التاريخ العتروي على صعيد الممارسة الحاضرة لغاية تجديد الروح حتى تُبعث حية في الأجيال القادمة، فمدرسة التلميع بدأت بالفعل في اتخاذ الوان مختلفة لتلميعاتها ظهرت في أشكال صدم الناس بوقائع متعاقبة تصب كلها في جانب التكريس لسيرة الجمع بين المتناقضات والتي سنتها منذ قرون الدولتان الأموية والعباسية، ومنها أن يقبل الفكر العام مسألة عدم التعارض بين الظلم والتدين، وبين الاستبداد والصياغة الشرعية، وبين التحلل القيمي والحرية الدينية، وهكذا حتى تاه من تاه بين وضوح القرآن الكريم من جهة وسكوت السواد الأعظم من (النخبة) على وضوح المخالفات التي ترتكب في حقه وباسمه، فالقرآن اليوم هو سلاح للأتقياء في صمودهم، وكذلك جعله (الفسقة) سلاح لهم في إفسادهم، وهكذا هي الأمور آخذت في التبلور استعداداً لغياب الدين في فضاء الغربة حتى يعود جديداً على يد صاحب الأمر الإمام المهدي المنتظر (أرواحنا فداه).

إلى ذلك الوقت فإننا نعيش قلم التاريخ في كل لحظة من لحظات الحياة، والنتيجة المحسومة هي إما أن نكون ممن تسحقهم عوالي القيم فتحتضنهم مستنقعات التلميع، وإما أن نرتفع على شوامخ الفضل فلا ترقى إلينا روائح المستنقعات المتعفنة، ولا شك في أن الخيار بإيدينا، بل هو بأيدينا مطلقاً، ولا مجال للفكر الانهزامي التبريري بالتواجد هنا، فهو منهزم بقوة عدل الله تعالى الذي جعل أمور هذه الحياة من حيث الاختيار والقرار بيد الإنسان، فقال صريحاً (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، وقال تبارك ذكره (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) وغيرها من الواضحات في أن أمر الإنسان دنيوياً بيده لا بيد غيره، والكلام –بلا شك- عن الإنسان الحر الرسالي المقدام، وليس عن الإمعي الخانع.

بعد تجارب امتدت لقرون من الزمن بات من الجلي أنه لا بديل عن إعادة الحياة إلى حقيقة سيرة المعصومين من آل محمد (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) في المجتمع المفتوح بشكل عام، وفي شيعتهم على وجه الخصوص، ولازم ذلك عدم الانشغال بالمهم عن الأهم، ناهيك عن استهلاك الوقت والطاقات في توافه الأمور وفضولها، وليكن الانتباه دائماً إلى أن الاشتغال بالساقط سقوط، والاهتمام بالتافه تفاهة، وعليه فإن العمل والإصرار على تقوية الداخل العتروي يعني وبشكل مباشر التوسع الأفقي في جانب القذف بالساقط والتافه إلى خارج دائرة الإنسانية، والرأسي في جانب التجذير لسيرة تاريخية حرة تضمن التأسيس لسير قادمة على قواعد متينة وأسس ثابتة.. وليس الأمر في يد غيرك

(ليس من شيء أحلى من قراءة ما بين السطور.. تحياتي).

السيد محمد علي العلوي

21  شوال 1431هـ  

30 سبتمبر 2010 م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *