الرئيسية / مقالات / النصر.. محاولة على طريق الفهم

النصر.. محاولة على طريق الفهم

مقدمة توجيهية:

تجدر الإشارة إلى أن ما أكتبه إنما يعبر عن الرؤية الشخصية التي توصلت إليها، وفيها أو في بعضها قد أكون شاكًا وربما ظانًا، وقد أكون قاطعًا، وفي جميع الأحوال فإنها تلزمني خاصة وليس من حقي إلزام أحد بها، وإن بنيت فيها على نصوص قرآنية أو عتروية فقد يكون فهمي خاطئًا، ولذلك فإن المخالفة لا تعني التضليل أو الإنحراف أو ما شابه، فالقضية اجتهاد ألتمس فيه الصدق والتجرد ما استطعت ليبقى الرهان على حسن إدارة مناطق التقاطع والتعاكس بما يصحح ويقوم على طريق إصابة الواقع.

مقدمة تأصيلية:

عندما أراد الله تعالى خلق الإنسان كانت العلة الظاهرة استخلافه في الأرض، فقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً).

عندما يستخلف طرفٌ طرفًا آخر فمعيار الوفاء بحق الخلافة قيامُ الخليفة بما يريده المُسْتَخلِف، وفي المقام نفهم أن الخليفة قوَّامٌ بأمر الله سبحانه وتعالى وإلا فلا يصدق عليه عنوان (خليفة).

 ولكن الملائكة (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)؟

يظهر أن الغرض من الخلق هو التسبيح والتقديس لله الواحد الحق جلَّ في علاه، وهذا ما يقوم به الملائكة، فلو كان الخلق الجديد يصنع صنع الملائكة من التسبيح والتقديس فلا بأس، ولكن المحصلة العلمية أفادت أن من يريده الله تعالى خليفة له في الأرض له سمعة الإفساد وسفك الدماء، وهذا ما جعل الملائكة في مقام التعجب من تصريح الله تبارك ذكره، إلا أنه عز وجل قد فصل في الأمر وبين التقابل الأصل في الخلق الأرضي، وهو قوله (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

من هنا يبدأ العلم المنهجي الأول، وهو التخيير للإنسان بين أن يكون في صفِّ (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)، وإلا فهو بالضرورة مع (مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء) لمحل التقابل، سواء سفك الدماء أم لا، فالأمر سيان بمجرد أن لا يكون مع قانون الخلافة الإلهية.

ينطلق الخطان بقوة ولا ثلاث لا بينهما ولا بعد ولا قبل، فالقضية محصورة في خيارين مع كل موقف يواجهه الإنسان، فهو فيه إما أن يكون مع الله تعالى عبر خليفته وإلا فهو مع الآخر المقابل بالضرورة.

مشكلة المفاهيم:

المفهوم هو الحدود الثابتة التي تشكل قالبًا واضحًا تختبر فيه المدلولات التي يكون لكل منها قالبه الخاص، ومثال ذلك مفهوم الماء، وهو: (سائل بارد لا لون له ولا رائحة ولا طعم)، فلو أننا أدخلنا في هذا القالب عصير الرمان -مثلًا- لما قبله لعدم الإنطباق، ولو أن المجتمع أهمل التثبت من المفاهيم وسوغ الاستعمالات بحسب المصالح والتشهيات فقد دخل في دوامة الخلط والخبط وصريح التيه وإن صرخ العالم بوعيه ونباهته.

وفي المقام أمثلة كثيرة لا أكاد أحصرها، فمن الشهادة إلى الجهاد والقيام والولاية والبراءة والنصر والغلبة والقلة والكثرة والنضال والكفاح والثورة والقيادة والرمزية والديموقراطية والمدنية والإسلامية والدينية والمهدوية.. وغيرها كثير مما يحتاج منا إلى وقفة تثبتية جادة، وما أقطع به أن ثقافة المجتمع تعاني انحرافات خطيرة عن المفاهيم الصحيحة لكل ما مر وغيره.

في حكم (النصر):

إن كان من عند الله تعالى فهو النصر (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)؛ حيث إن (ما) النافية تلتها (إلا) الإستثنائية فكان المركب مفيدًا للحصر، وبالتالي فإن مسمى (النصر) خاص فقط بمن وقع اختيارهم على الخط الأول وهو خط (الخلافة الإلهية)، ولا شك في أن مجرد رفع شعار الإختيار لا يعني شيئًا في ميزان القضية: (هذا نصر).

حَكَمَ الأمويون من 41 إلى 132 هجرية، وفي فترة حكمهم قتل يزيد بن معاوية الإمام الحسين (عليه السلام) ونيف وسبعين ممن معه في كربلاء ثم سبى النساء إلى الشام واستقام له الحكم أمويًا، ثم جاء العباسيون مستولين لأكثر من خمسة قرون، وفي العام الميلادي (1799) أنهت الثورة في فرنسا حقبة تاريخية لتعلن عن عناوين جديدة تطورت إلى ما هي عليه اليوم، وفي العام 1959 ميلادية أطاح الثوار الكوبيون بدكتاتورية فولجنسيو باتيستا ليتسلم فيدل كاسترو الحكم معلنًا كوبا أول دولة شيوعية.. وفي مصر كان جمال عبد الناصر وفي ليبيا معمر القذافي وفي العراق حزب البعث.. لقد كانت (الغلبة) لكل هؤلاء في حين أنه لم يستقم الأمر لوصية الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) لعلي بالخلافة، بل أنها لم تكن يومًا لأحد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) غير خمس علوية تخللتها ثلاث حروب!!

يظهر من النصوص القرآنية أن (النصر) وجود معنوي ثقافي فكري سلوكي قد يتبعه حكمٌ تنبسط معه اليد، ولكن هذا الأخير ليس من معاييره على الإطلاق، وهذا ما تؤكد عليه النسبة في الآيات التالية:

  • (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)، إذ أن الصر حقٌ على الله تعالى للمؤمنين.
  • (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)، فالنصر مؤكد من الله تعالى لمن ينصره.
  • (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ).
  • (فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا).

هناك خط واضح جدًا يقع النصر عليه، وهو الذي يبدأ من الله تعالى وينتهي بالإيمان ومقتضاه الإلتصاق الحقيقي بقوانين (الخلافة الإلهية)، وإلا فهو ادعاء ليس إلا.

ولذلك فإن ما نراه وبالبناء على الرؤية القرآنية أن (النصر) لم يكن مما تحقق للأمويين ولا للعباسيين ولا للفرنسيين ولا لغيرهم ممن غالب فغلب وحكم وسيطر، لأنه وبكل بساطة آمن بقضية غير (الخلافة الإلهية)، وإيمانه بقضيته أمر جيد في نفسه ولكن ليس خيارنا على أية حال، ولو أن الخيار الإنجليزي في وست منستر أو الهولندي أو الفرنسي أو غيرها من الخيارات قد وفرت الحرية لشعوبها فإنها تبقى ليست لنا، فالحرية التي يطلبها (المنتصر بالله تعالى) حرية لا تنفك عن أسبابها والطرق المؤدية إليها، ولا مسوغ على الإطلاق للتمحور أو الاقتداء بغير من كان لهم النصر التمام من الله عز وجل وهم الخلفاء بالحق محمد وآل محمد (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).

الخلط بين الغلبة والنصر:

سُئِلَ الإمام الصادق (عليه السلام) عن الحديث الذي جاء عن النبي (صلى الله عليه وآله): أن أفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر ما معناه؟ قال: “هذا على أن يأمره بعد معرفته وهو مع ذلك يقبل منه وإلا فلا”[1].

وعن الإمام الحسين (عليه السلام) أنه قال: “إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله، وبنا ختم الله، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون، أينا أحق بالبيعة والخلافة”[2].

يؤسس أهل البيت (عليهم السلام) لحالة (النصر) الثقافي بشكل دقيق جدًا، ومن أهم ما صرحوا به قول الإمام الصادق (عليه السلام): “أيما مؤمن قدم مؤمنًا في خصومة إلى قاض أو سلطان جائر فقضى عليه بغير حكم الله فقد شركه في الإثم”[3].

وقال (عليه السلام): “ أيما رجل كان بينه وبين أخ له مماراة في حق فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه فأبى إلا أن يرافعه إلى هؤلاء كان بمنزلة الذين قال الله عز وجل: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ)[4].

يبدو أن من مدارات (النصر) عند أهل البيت (عليهم السلام) الولاية المطلقة للخلافة وقانونها الإلهي، والبراءة المطلقة من غيرها (إلا برخصة مباشرة من المعصوم (عليه السلام) أو من ينوبه وفي حدود معينة نفهمها من تفاصيل السيرة السياسية لهم (عليهم السلام).

إن (النصر) حالة ثقافية فكرية سلوكية يعيشها الفرد والمجتمع بمقدار ما يحقق من الجامع العلوي “امنن على من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره”[5]، وهي تكاد أن تكون معدومة في ثقافة (الغلبة) التي ترى (النصر) واحدًا سواء كان من أجل حكم أو نشر عدالة وحرية ومساواة أو كان من أجل (الخلافة الإلهية)، والحق أن هذا الأخير فقط وهو الانتصار لراية (الخلافة الإلهية) هو النصر التي تناله النفس من بارئها جزاءًا لما هي عليه من مرابطة على طريق الجهاد الأكبر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ).

وبالتالي فإن أي خطوة يحققها الناس على طريق إزالة ظالم أو طاغوت لن تكون نصرًا دون التوفر على مقدمات النصر أولًا، وهي المجموعة في عنوان (الإنتصار لله سبحانه وتعالى).

من مقدمات النصر:

          طلب العلم والمعرفة والحكمة (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ).

          الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

          الأخوة الإيمانية وإصلاح ذات البين (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).

          العفو والصفح والتسامح والتجاوز (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).

          تجنب مخالطة الجهلة والسفهاء (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).

          تجنب التسرع والإنفعال (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا).

          الحرص على إعمار المساجد وإقامة الجماعة فيها (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ).

          الإهتمام بصلاة الليل (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا).

          التدبر في كتاب الله تعالى (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا).

تلك إشراقات معاييرية من المفترض أن تكون حاضرة في كل حركة نقوم بها أو سكنة نقررها، وبمقدار ما نحققها في حياتنا ثقافة وسلوكًا بمقدار ما يحقق الله لنا من نصر، وبالتالي فإن الإستدلال يكون بطريق الإن من المعلول إلى العلة، وذلك أن ننظر إلى حالنا لنعرف محلنا عند الله تبارك ذكره.

وعقد الختام: (من لا يعتبر بمعايير قد قررها القرآن الكريم وبينها النبي العظيم وأهل بيته الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا طريق له إلا أن يطلب (الغلبة) من القوى الحاكمة في الأرض، أما أن لا يعتبرها ولا يقيمها في حياته ثم يتسائل عن (نصر) الله تبارك ذكره، فهذا ليس أكثر من خبط على غير طريق.

السيد محمد علي العلوي

19 رجب 1434 هجرية

30 مايو 2013 ميلادية

 

[1] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 5 – ص 60

[2] – بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج 44 – ص 325

[3] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 7 – ص 411

[4] – المصدر

[5] – الخصال – الشيخ الصدوق – ص 420

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *