الرئيسية / مقالات / خارطة الطريق..

خارطة الطريق..

5939_med-serat

للتو تسلَّم شهادته الثانوية بمعدل 99,99%.. شاب خلوق مؤدب ذكي هادئ وسيم بار بوالديه، وقد قررت والدته اصطحابه لبيت جدته بعد أن أخبرتهم هناك أن يعملوا على إعداد مفاجئة لا يتوقعها، خصوصًا وأنه يتيم الأب منذ سنتين..

خرجا من البيت وكل واحد منهما يحاول أن يسبق الآخر إلى باب السيارة، وفي لحظة عبور الشارع لم يرى سيارة تسابق الريح يقودها شاب مستهتر.. صدمته وقذفت به لمسافة تجاوزت العشرة أمتار..

تصنَّمتْ أمُّه في محلها.. لقد سقط بدمائه أمام عينيها.. سقط ميتًا بلا حركة..

في نفس الوقت كانت أخته التي تكبره بسنة مع خالتها في السوق، فخطوبة الفتاة بعد أسبوع، وعليها أن تتجهز لحياتها الجديدة..

أذيع الخبر عبر الفضائيات ليترك أثرًا حقيقيًا على إمرأة من منطقة أخرى، وعلى شاب في بلد غير بلد الحادثة..

معادلات تغيرت وطرق هجرت وأخرى سلكت بسبب تلك الحادثة الأليمة..

وكل القضية في لحظة (لو) تقدم أو تأخر بها لرأينا طرق ومسارات وسيناريوهات جديدة.. هي لحظة لا أكثر.. هو قرار ولا مزيد..

(كلمة) تقال فتنهدم أُسَر، وأخرى تبني حضارات..

قرار يدمر شخصيات، وآخر يفجر طاقات..

هل ندرك عظم الأمر؟ هل نعي خطورته؟ إنها (كلمة).. إنه (قرار).. هي ليست أكثر من (فكرة)!!

يطول الكلام جدًا ولا نظفر بالسلامة والأمن إلا بأحد طريقين:

الأول: أن نتمكن من دراسة كل الاحتمالات الممكنة وأن نعد العدة لكل احتمال على حدة، وفي كل احتمال ندقق في الاحتمالات التي ترد عليه، ولكل واحد نتجهز عاليًا، وهكذا إلى ما لا نهاية.

هذا الطريق مهم جدًا، ولا يتركه إلى من هانت عليه إنسانيته، وقَبِلَ لها أن تكون كالقشة تذروها رياح الحوادث وتتقاذفها أمواج الوقائع.. هو طريق مهم ولكن استقامته مع كل واحد بحسبه، فالدول الكبرى مثل (الشيطان الأكبر) تمتلك في عمقها الإداري مؤسسات هائلة شغلها الشاغل دراسة الواقع بمقدماته التاريخية والفلسفية وما نحو ذلك، ثم أنها تبالغ جدًا في بحث الاحتمالات ورفع التوصيات بالإعدادات والاستعدادات المطلوبة، ولذلك نجد (كبير الشياطين) وقد استعد لمختلف الاحتمالات في الوقت الذي نخوض فيه صراعات التحليلات والتخبط بين حدث هنا وواقعة هناك.

الثاني: أن نهتم جدًا بالطريق الأول ثم نحفه ونحصنه باتصال حقيقي مع من قال (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ) سبحانه وتعالى.

قضية الشاب التي ذكرتها في بداية السطور وإن كانت من نسج الخيال إلا أنها تبقى عمومًا خارج إرادة الإنسان حتى لو تلمس الحيطة والحذر، فالمتكوب -على أية حال- واقع، ولكن الكلام كل الكلام في حروف تجري على لسان فتمزق إنسان وتدمر بنيان.. الكلام كل الكلام في قرار وفعل وسلوك وتصرف تجتمع في لحظة لتغير مسار مجتمع بأكمله.. الكلام كل الكلام في اضمحلال ثقافي وفقر فكري يفرض نفسه على المجتمع متصديًا يدعي الفهم والعلم وأنه (مقطع السمكة وذيلها)، وفي الواقع هو لا يزال على بعد مئات الفراسخ عن ألف باء الأبجدية!!

عجيب أمر السراط يوم القيامة.. كم سوف يكون مزدحمًا ببني آدم!!

يا إلهي، كم هو مخيف.. مرعب.. عظيم لا تتصوره عقولنا القاصرة..!!

وكأني بلسان حاله في ذلك اليوم العصيب يقول: (تعنترت وتفرعنت وتَلَّكَ الغرورُ ثم أخذتَكَ عزتُك بإثمك فظننت في نفسك علو الشأن وحسبتها المُطَّلِعَة على الأفئدة والحقائق.. جُزْ الآن، ولينفعك ما كنت فيه، ولن تجز، ولا منتهى لك غير نار تلظى!!)

سبحان جبار السماوات والأرض إذ يقول (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ * وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ).

(.) نهاية السطر.

 

السيد محمد علي العلوي

25 من ذي القعدة 1434 هجرية

1 أكتوبر 2013 ميلادية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *