الرئيسية / مقالات / ولاية الأمر وشق العصا

ولاية الأمر وشق العصا

 

box

هذه مهمة جدًا..

يواجه الإنسان صعوبة بالغة في الانتقال من حال إلى آخر، خصوصًا إذا كان الأول مما أَلِفَهُ والثاني مما يحتاج إلى أُلْفَةٍ، وهذه الأخيرة تتشكل وتستقوي أسسها بالترويج والتعويد والحصر فيها حتى تمسي هي وفقط، وغيرها شطط؛ فالجو الداعم للحالة الجديدة يضع الإنسان في قالبها بحيث أنه لا يتمكن أو يرفض النظر إلى غيرها إلا أن يخرج من قالبها، وهذا الخروج من القالب يتوهمه الإنسان تيهًا أو ضياعًا خصوصًا إذا أُلصِق القالب بعناوين (مقدسة) يستلهم منها قوته وثباته، ويزداد الأمر خطورة عندما يتحول القالب إلى ثابتة دينية وهي في الواقع ليست كذلك، فالقضية حينها قضية فهم مغلوط ووعي معكوس لمعنى الثابتة وطرق الوصول إليها.

الحسين (عليه السلام)، ومن قولي (عليه السلام) يتضح أن المقصود هو السبط المطهر الذي قال فيه جده رسول الله (صلى الله عليه وآله): “حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحل حسينًا”.. الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) المعروفُ شأنه، المشخص للعيان مقامه..

هو الحسين.. وردته رسائل استنكار وشجب واستغراب من اكبار العرب رجالًا ونساءًا حينما ظهر عزمه السير إلى كربلاء العراق..!! لماذا؟

لأنه بخروجه على (ولي الأمر) يكون (شاقًا لعصا) الأمة، مفرقًا لجماعتها، مشتتًا لجمعها، وقد أبانها ابن زياد في قوله لسفير الحسين (عليه السلام) مسلم بن عقيل: “يا شاق يا عاق، خرجت على إمامك، وشققت عصا المسلمين، وألقحت الفتنة”!!

وعن أبي إسحاق قال: “كان شمر بن ذي الجوشن يصلي معنا الفجر، ثم يقعد حتى يصبح، ثم يصلي فيقول: اللهم إنك شريف تحب الشرف، وأنت تعلم أني شريف، فاغفر لي. فقلتُ: كيف يغفر لك وقد خرجت إلى ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأعنت على قتله؟ قال: إن أمراءنا هؤلاء أمرونا بأمر، ولو خالفناهم كنَّا شرًّا من هذه الحمر”.

إن لعنوان (وحدة الأمة) وقع موسيقي جميل، يداعب المشاعر ويُحَمِّلُ الناس مسؤوليةً ملؤها الغيرة والحمية ضد كل رأي يخالف صيغة القالب (المقدس) والذي –كما ذكرت- تشتد خطورته كلما ألصق بـ(لا إله إلا الله)، هذا والحق في الحسين (عليه السلام) بين، ويزيد الباطل بين، ولكن أفاعيل الأجواء الترويجية تتمكن –وهذا مثبت علميًا- من قلب النهار في ثقافة الناس ليلًا حتى أنهم يشعلون المصابيح فرارًا من الظلمة!!

في مجتمعاتنا لا ينادى لشيء وبشيء كما ينادى لحرية الرأي والتعبير، والكل بشعاراته يتغنى وعن رسمها يدافع حتى صار صَدَّام ديموقراطيًا وهتلر رجل سلام، ناهيك عن من هم دونهما، وتحت لواء الحرية والديموقراطية نمارس في ما بيننا أشد أنواع البطش الفكري والمعنوي قربة إلى حرية الرأي والتعبير وفداء لـ(وحدة الأمة)، وحقًا لا أجد في البين مستثنيات إلا ما شذ وندر..

استبداد في العقيدة.. شراسة غابوية في الدفاع عن الإرث التاريخي صحيحًا كان أو باطلًا.. عنف في الفقه وأحكام الله تعالى.. دكتاتورية في الوطنية وحق المواطنة، وبكل سهولة ويسر نصادر الآخر بكله ولا نستثني منه شيئًا بما لم يصنعه حتى الله تعالى مع المجرمين.

لماذا؟

الجواب: لأننا لا نتمكن أو نرفض الخروج –ولو للنقاهة- خارج القالب الذي صنعته أجواء الترويج.. وكُلٌّ من داخل (قالبه) يغني على وقع (الراب)!

الحل:

أولًا: عندما نقرأ لأمير المؤمنين أو لأحد الأئمة المعصومين (عليهم السلام) تصريحًا مباشرًا مدحًا أو ذمًا، فصاحب التصريح معصوم لا يخطئ التشخيص، وليس من الصحيح أن نطابق الإسقاط ونمارس عين ما يمارسه المعصوم وبنفس الروحية؛ فنحن في نهاية الأمر نُشَخِّصُ بما هو متاح لنا من مقدمات ومعطيات، والغاية والحال هكذا أن نحقق درجات متقدمة من الصواب مع بقاء الخطأ محتملًا.

ثانيًا: ليس من حق أحد كائن من كان أن يمارس الضغط الثقافي والفكري على غيره، ومنتهى حقه أن يطرح ما لديه من رؤى ويستدل عليها بالموازين المنطقية الصحيحة ثم (فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ).

ثالثًا: (الوحدة) هي أن نحترم بعضنا البعض ونخلص في النصيحة والتناصح، ويُقّدِّرَ كُلٌّ منا الآخر في انتمائه الثقافي والفكري دون أدنى مصادرة وبأي لون.

رابعًا: أن نتقي الله سبحانه وتعالى ونكون على يقين بأن الأيام دول، فالظالم تدور عليه الدوائر وإن طال الزمن، فلا نظلمن بعضنا البعض متوهمين ظلمنا حماية لوحدة الأمة وصيانة لصفها وعصاها!

وأخيرًا: من العيب جدًا أن نمارس في ما بيننا ما نتهم به المجرمين..

والله العظيم عيب.

 

السيد محمد علي العلوي

28 من ذي القعدة 1434 هجرية

5 أكتوبر 2013 ميلادية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *