الرئيسية / مقالات / إسقاط وإصلاح.. و(حارة الطوارئ)!

إسقاط وإصلاح.. و(حارة الطوارئ)!

الزحمة

“لا أخاف من العرب مهما جمعوا من السلاح والعتاد، لكنّي سأرتجف منهم اذا رأيتهم يصطفون بانتظام لركوب الباص“.

  • “لا يستقيم أمر الحرية في الخليج حتى يتعلم الخليجيون الاصطفاف عند (الخباز) بانتظام”.

أما المقولة الأولى فتنسب إلى الصهيوني (موشي ديان)، وأما الثانية فلا أعرف قائلها، وعلى أية حال سواء كان القائل صهيوني أم رسالي فإنني أقطع بأنه على درجة عالية جدًا من الحكمة والدراية والمعرفة، فالقضية ليست قضية باص أو (خباز).. أبدًا ليست كذلك..

شارع بثلاث حارات يعقبها من جهة اليمين خط أصفر يفصل الشارع بحاراته عن حارة رابعة مخصصة (للطوارئ).. أرجو التركيز جيدًا، فهي: (للطوااااارئ)، وفي لحظة (حاسمة) وقرار تاريخي بين الازدحام المروري يُقْدِمُ (عبقريٌ) على الخروج عن الحارات الثلاث واقتحام حارة (الطوارئ) متجاوزًا (الأولي والتالي)..

ويا (مولانا) في لحيظات فقط وإذا بعشرات (العباقرة) يسدون حارة (الطوارئ) عن بكرة أبيها تبعًا (للعبقري) الأول..

طيب.. الآن:

الشارع مُعَدٌّ لثلاث حارات تحولت (بفعل فاعل) إلى أربع، وبعد دقيقة واحدة تنحشر أربع طوابير أمام الإشارات الضوئية التي لا تتمكن من استيعاب أكثر مما أعدت إليه، وبالتالي يتحول الشارع إلى (قيامة صغرى) لأن (العبقري الأول) ومن تبعه أرادو (التعبير) عن عمقهم الثقافي (المسؤول)!! والمصيبة الأعظم أن مثل هذه التصرفات (العبقرية) لا تقتصر على شباب مستهتر هناك وهناك، ولكنها مما اعتاده أطباء ومهندسون وصحفيون وشعراء وغيرهم من (عِلِّية القوم)!

ليست القضية في (باص) ولا هي في (خباز) وليست في (الشوارع والمرور)، فهذه كلها تقوم فقط بدور الكاشف المباشر عن نوع الثقافة التي تمسك بنواصي مجتمعاتنا.. إنها ثقافة ألخصها في نقاط:

1-     ضعف الرؤية المستقبلية: فهذا الذي يتزاحم على ركوب الباص أو نافذة (الخباز) أو الوصول إلى الإشارة الضوئية قبل الآخرين هو في الواقع يعمق أزمة الازدحام ويضيق فرص الحل حتى أن تكاد تعدم.. إنه فاشل في قراءة ما يترتب على فعله بعد دقائق معدودة، وهل مثل هذه الثقافة توكل إليها مسؤولية بناء (مجتمع)؟

2-     الأنانية: يتجاوز الجميع من أجل أن يصل (هو)، وليكن التعطل مصير غيره حتى لو كان هو السبب، فالمهم أن يصل (هو).

3-     عندما يتقدم واحد في طريق خاطئ ويلحقه في لحظات العشرات بل المئات، فهذا دليل على ضعف الإرادة الفكرية في المجتمع، والغالب هو (مع الخيل يا شقرا)، و(حشر مع الناس عيد)!!

بالنسبة إلى إسقاط أو سقوط أو إصلاح أنظمة الحكم في العالم وعبر التاريخ فهذه سنة لن تتبدل (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ)، و(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُورًا * اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا)، ولكن الكلام هنا:

الحكم ليس في أفراد تتصدى، ولكنه في ثقافة تضرب بأرجلها وتلوح بأذرعها حتى تجعل من المعارض لها معارضًا للقيم والمثل والمبادئ والأعراف، فينبذه المجتمع وإن كان (نبيًا مرسلًا)!!

فلنترك نظام الحكم ولندع الحكومة، ونفكر في الثقافة التي تحكمنا..

إنها ثقافة (حارة الطوارئ) لنحشر العالمين بعد لحظات عند (الإشارة الضوئية)، فالسؤال الآن:

ما الذي يحتاج أن يسقط؟ وما الذي يحتاج إلى إصلاح؟

 

السيد محمد علي العلوي

30 من ذي القعدة 1434 هجرية

6 أكتوبر 2013 ميلادية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *