الرئيسية / مقالات / ولا زال التحكيم قائمًا.. من صفين وإلى اليوم! (3) (المرجعية والمعصوم)

ولا زال التحكيم قائمًا.. من صفين وإلى اليوم! (3) (المرجعية والمعصوم)

23

أنبئوني عن طائفة أوذيت مثلما أوذي الشيعة الإمامية، وإن كان فلفترة محدودة ثم أنها قد تتحول إلى جهة تسعى مختلف الأطراف إلى (التطبيع) معها.. إلا الشيعة فمنذ اليوم الأول لـ(لا إله إلا الله، محمد رسول الله) سرت العداوة القرشية البدوية الجاهلية من القوم لتنال من علي أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد أن نالت ما نالت من الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، فليست القضية مع الشيعة في زيارة القبور أو زواج المتعة أو السجود على التربة أو ما شابه، بل ولا هي في تقديم أحد على أحد، ولكنها تحديدًا في التزام (الولاية) لأهل البيت (عليهم السلام)، ففي تقديري أن الدولة الأموية وغيرها لم يكن ليشغلها أمر الحسين (عليه السلام) لو لم يكن هو الحسين.. ولا يهم أن يبايع فلان من المسلمين فلانًا، ولكن المهم أن لا يبايعَ الحسينَ (عليه السلام)..

لك أن تشرب الخمر، ولك أن تزني، واسرق فلا ضير.. ولكن احذر أن تعقد بيعة لعلي أو حسن أو حسين أو أي واحد من الأئمة من ولد الحسين (عليهم السلام)، وإن أردت مبايعة غيرهم فتلك حرية شخصية!!

الآن وبعد الغيبة الكبرى للإمام المهدي بن الحسن (عليهما السلام) في العام (329 هجرية) جُعِلَتْ للشيعة الإمامية مرجعية ولائية تأتي على نسق مرجعية الأئمة المعصومين (عليهم السلام) مُعالِجةً للفراغ العظيم الذي صنعته غيبة الإمام المعصوم، ولأن الفراغ لا يُسد لطبيعة المائز التكويني بين المعصوم وغيره فقد تظافرت الكثير من الروايات للتأكيد على ضرورة تحويل المجتمع الشيعي بكله إلى صورة عملية متحركة للمعصوم (عليه السلام) في عملية تكاملية بين العلماء الفقهاء وغيرهم من أبناء الأمة، وهذه الحالة هي صمام الأمان ضد تكرر مصيبة التحكيم في صفين..

فلندقق جيدًا..

عندما يكون المعصوم (عليه السلام) بيننا فإن البناء يقوم على أساس صحيح ويمضي صحيحًا بنسبة 100%، وأما إذا كان مع غير المعصوم فإن الخطأ وإن كان بمقدار ضئيل جدًا إلا أنه يتحول إلى كارثة مع البناء عليه، ولتقريب الصورة أضرب مثلًا ميل الأساس المادي بما مقداره (ميليمتر واحد)، فإنه يتسع ويتسع كلما بني عليه حتى يتحول إلى ميل يهدد البناء بالسقوط، ولذلك كان من المهم مراجعة القياسات والمبالغة في الاهتمام بأعمال الصيانة والتقويم، وإلا فالمآل إلى ما آل إليه الأمر في صفين بالانتهاء 
إلى تحكيم الضلال بعد هجران الرأي المُسَدَّد لولي الله المعصوم علي بن أبي طالب (عليه السلام).

الوضع في زمن الغيبة خطير جدًا، ولا خلاص إلا بما يحقق لنا وعلى نحو عملي المفهوم من قوله تعالى (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ)، وما يجنبنا الوقوع في مغبات (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)..

نحتاج إلى شيء من الصراحة والوضوح..

عندما نمارس الدعوة إلى مذهب الحق عن طريق فقيه عادل تقي ورع، فنحن حينها نسلك طريقًا سرعان ما يدخلنا في معادلات ضلال لا نراها ضلالًا، حتى ينقلب بعض المنكر معروفًا وشيء من المعروف منكرًا.. ولا نشعر؛ إذ أن الفقيه المجتهد وإن وصل إلى أعلى درجات التقوى والعلم والورع إلا أنه في نهاية المطاف معرض للوقوع في الخطأ الذي ربما كان بمقدار ضئيل، ولكن مع البناء عليه يتحول –كما أشرت- إلى كارثة حقيقية نتاجها تبدل المفاهيم إلى أخرى خاطئة ولكننا سوف نعبد الله تعالى من خلالها!!

ولذلك فإن الدعوة إلى الله تعالى لا يمكن إلا أن تكون من خلال المعصوم (عليه السلام)، وفي زمن غيبته فمن خلال مجموع الفقهاء الذين يُقَوِّمُ جمعُهم خطأ واحدهم، فيكون الاعتصام بحبل الله من (خلالهم) لا من (خلاله).

ولأن هذه الحالة غير متوفرة فإننا –وبصراحة- نعيش العداء في ما بيننا (وإن خفى) ونمارس التنازع (وإن استتر)، بل وأكثر من ذلك أن التكفير والاتهام بالضلال قد شاع على غير موازين صحيحة حتى أصبحت اللاموازين هي عين الموازين، فتحقق في كثير من الأحيان (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ).

أيها المكرم، أيتها المكرمة..

إن لشخصية المعصوم (عليه السلام) من السعة ما لا يتحمله الإنسان إلا في تنوعه الثقافي والفكري المؤطر بحكم الثقلين، فالإمام المعصوم يتحدث بِنَفَسِ الفقيه تارة، وأخرى بِنَفَسِ الفيلسوف، وثالثة بِنَفَسِ الحكيم المتأله، ورابعة بِنَفَسِ الولائي المتعطش، وخامسة بِنَفَسِ الحاكم بنظر الواقع القائم، وسادسة بِنَفَسِ القائم بالمواجهة، وسابعة بِنَفَسِ الهدنة.. وهكذا هي شخصية المعصوم في سعتها واستيعابها لصحيح المواقف مطلقًا، وهذا ما لا يتمكن منه الإنسان العادي وإن كان أعلى الفقهاء مقامًا، وهو ليس بعيب على الإطلاق، ولا هو انتقاص كما قد يتوهمه البعض، ولكنه طبيعة الإنسان الناقص القاصر على طول الخط.

هناك من الناس عمومًا والعلماء الفقهاء على وجه الخصوص من يتميز بجانب من جوانب الشخصية العلمية للمعصوم (عليه السلام)، فنجد منهم الفيلسوف ونجد البلاغي وغيرهما المحدث، وهكذا.. إلا أن المصيبة تقع عندما ننظر إلى المعصوم من خلال المائز الذي يُظْهِرُ الفقيه، فلا نراه إلا فيلسوفًا، ولا يراه غيرنًا إلا اجتماعيًا، والنتيجة أن أحدنا يرمي الآخر بالضلال والخروج عن خط الولاية، وكل القضية في ضيق النظر والقعود عن همة الشمول وعزيمة الاستيعاب.

إن لهذه الحالة من الآثار من أنهكت القلوب وهدمت جوانب من البنيان، وهو ما أحاول الإشارة إليه في الحلقة القادمة، ثم تقديم بعض الحلول كاقتراحات لم يشاطرني النظر في أصل المشكلة.

 

السيد محمد علي العلوي

3 من ذي الحجة 1434 هجرية

9 أكتوبر 2013 ميلادية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *