الرئيسية / مقالات / برو برو، بيو بيو!!

برو برو، بيو بيو!!

كتاب عظيم يقول عنه مولاه سبحانه وتعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا)ثم يعاتب بشدة أولئك الذين لا يتدبرون آياته فيقول: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)، أما في الجهة الأخرى ولتحقيق التعادل الصحيح والتوازن القويم صرح سبحانه وتعالى فقال: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ)، بل ويقطع دابر الحجج والتبريرات فيقررها واضحة بينة: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ).

إن الذي يدهشني حقاً هو كيف انقلب هذا الكتاب المقدس من كتاب يحرر الإنسان من قيود (الإمعية) وإعارة العقول، إلى كتاب إرهاب فكري يقذف في نار التضليل والتكفير كلَّ من يفكر في ممارسة التفكر والتدبر كحق تكفله له السماء!!

يفتح الله تعالى أبواب المعرفة أمام الناس بكل قوة ويسجل مواقف مقت وغضب ضد كل من لا يحج صوبها، فيقول: (أَفَلَا يَعْقِلُونَ)، (أَفَلَا تَسْمَعُونَ)، (أَفَلَا تُبْصِرُونَ)، (أَفَلَا تَعْقِلُونَ)، وهكذا حتى يعرج عز وجل لبيان فضل أصحاب التعقل والتفكر والتدبر، فيقول: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).

كل هذه الآيات الصريحة غُلبت في الأمة وسُحِقت عندما وظِّفت لترسيخ أخطر المفاهيم عن القيادة (الربانية) والعلمائية (الإلهية) بتحويلها من حالة إنعاش وصيانة في الأمة إلى حالة استبداد وقتل للعقول حتى وصل الحال بالناس أن تحولوا إلى أبواق (للقائد) فلا تكاد تسمع منهم رأياً أو وجهة نظر، لأنهم –وبكل بساطة- لا يقولون إلا ما يقول ولا يفعلون إلا ما يريد، بل ولا يفكرون إلا على نمط صاغه هو لهم وكأنه ظل الله تعالى في الأرض!.

لقد منَّ الله سبحانه وتعالى على العلماء بمحبة خاصة في قلوب الناس وقبول مميز عندهم، وكان من الحري أن تستثمر هذه النعم للوصول بالأمة إلى أرقى مستويات العزة والكرامة، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا بتظافر الجهود وجمع العقول لغاية توليد الصواب، فالشرط إذاً أن يكون الجمع جمعاً بين العقول المتخالفة والاجتهادات المتفاوتة حتى يكون  التولد للصواب تولداً جمعياً يؤمن للناس أعلى درجات القرب من الصواب الذي يريده الله تعالى، وهذا من معاني التفكر والتدبر والتعقل وضرب الرأي بالرأي، أما أن يُحصَرَ الحقُّ في تيار فكري واحد، وتتجسد الإلهية والقدسية في شخص إنسان واحد فهذا هو البلاء الحق والمصيبة العظمى..

إننا اليوم نعيش هذه الحالة (غير الإسلامية) في مجتمعنا (المسلم)، فقد باتت الفطرة الإيمانية التي تسكن النفوس موضع استغلال لبعض القوى التي أدمنت التصدر وهامت في هوى القيادة و(الواحدية)، وهو الذي شهدناه عياناً عندما جُعل الناس في قبال الله تعالى بشكل مباشر، فإما أن يمتثلوا تشخيص القيادة وإلا فهم في مواجهة مباشرة مع غضب الله وسخطه حتى لو لم تصرح (القيادة) بذلك، فإنهم يفهمونه هكذا؛ لأنهم قد ارتضعوا مبانيه الخاطئة منذ أن كانوا أجنة في عالم الأرحام، فعالِم الدين عندهم إما أن يكون (معصوماً بدون حقيبة) وإلا فهو ضال مضل إذا خرج من تحت عباءة الصنف الأول، وقد وظِّفت جبال من الأحاديث العتروية بالمغاطلة (والطلسمة) من أجل التكريس لهذه الفكرة التي (تخنجرت) بكل عنف في خاصرة المجتمع فأفقدت الناس القدرة على التفكير، وهذا طبيعي جداً بعدما أصبح التفكير جريمة عظمى لأنه في عرف (التدين الصنمي) انتهاك صارخ لحق العالم (المقدس الأوحد)، ولذلك فإنك لا تسمع من الواحد منهم غير نقل أقوال قيادته وكأنه مذياع لا حول له ولا قوة، وإن سألته عن رأيه الخاص أجاب بكل فخر واعتزاز: ومن أنا حتى يكون لي رأي؟!!

عجيب أمر هذا المجتمع الذي لا يفهم الاعتدال ولا يعي له طريقاً، فهو إما واقع في عمق الإفراط، وإلا فهو في تيه التفريط، ولذلك يكون نقد (القيادة) في فهمه كفر وضلال وخروج عن الدين والملة، أو أنه عند التفريطيين ليبرالية علمانية يسارية.

أقول: لا..

إن لمقام العلماء عندنا خصوصية نفهمها جيداً، فصحاب الدين منهم قد فرغ نفسه لحفظ الحق والدفاع عن الحقيقة وتعهد مداراة العباد ومواصلة مشوار الاستنقاذ من الضلالة بتقديم الفهم الصحيح للنصوص المعصومة والسير التاريخية الصحيحة في ضمن مناهج استدلالية يقرها العلم وتركن إليها العقول، فهؤلاء نحن معهم وننادي للالتفاف حولهم بغرض التقوية والتقويم، أما التقوية فبالجماهيرية الضاغطة بمتانة العقل وحرية الفكر، وأما التقويم فبالمحاسبة الواعية والتشاورية الصادقة، وفهمنا هذا يشكل درعاً يصد أي محاولة تشويه للتركيبة التنظيمية في الفكر الشيعي الحر بولايته المتصلة من الله الواحد القهار إلى أئمة الحق المعصومين من التكوين (عليهم الصلاة والسلام) مروراً بالرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وانتهاء بالمرجعية الرشيدة لا بالمرجع الواحد..!!

نعم، إننا ندخل اليوم في نفق مظلم ولكنه ليس من صنيع الظالمين الجائرين فقط، ولكنه من صنيع تعطيلنا لعقولنا وإعارتنا إياها لمن ليس من طبيعته التكوينية التفكير عنا؛ لأنه –وبكل بساطة- إنسان مثل باقي البشر حباه الله تعالى بالعلم فأصبحت حاجته للناس لأعظم من حاجة الناس له. فتأمل جيداً.. 

في ختام هذه السطور أحذر من استنساخ التملودية اليهودية في فكرنا، فهم يقدمون كلام الحاخامات على نصوص التوراة والأنبياء على اعتبار أن الحاخام أدرى بظروف الزمان، والذي يتسلل اليوم إلى ثقافتنا هو تقديم قول (القائد) على فهمنا للقرآن الكريم ونصوص العترة بحجة أننا لا نفهم ولا نعي لأن الفهم والوعي مقصور على (القيادة) فقط، وهذا الادعاء لا دليل عليه إلا إملاءات الشيطان ومقاسمات إبليس، فإذا ما أردنا الخروج من عنق الزجاجة وجب علينا التكامل التعقلي والفكري مع صفوف العلماء العاملين، والتخلص من مرض الاتباع الأعمى والإمعية المبررة بالعقل التبريري الذي يتقن فنون التخريجات والتحويرات والتأويلات التي ما انزل الله بها من سلطان.

إننا أمام مفترق طرق، فإما الوعي والرشاد، وإلا فولاية الظالمين ستبقى على أدمغتنا مصدقة لقوله (صلوات الله وسلامه عليه): “كما تكونون يولى عليكم“.

همسة في الختام:

قالوا: لقد حققت الغرفتان الكثير من الإنجازات، فعلى المستوى البلدي قام فلان برصف الشارع الفلاني، وعجل في بناء الآيلة للسقوط، وانار الشارع الكذائي..

قلتُ: وهل ننتظر هذه (الطبيعيات) من نائب للشعب؟؟ أوليس الرصف والبناء والإنارة وغيرها كبيوت الإسكان وقروض البناء حقوق مقررة لا تحتاج إلى مطالبة؟ أليس من المفترض أن يكون النائب للمطالبة ببناء جسر أو إنشاء قطار أو حفر آبار أو ماشابه؟؟

إنني أتسائل: ماهي الوظيفة الحقيقية للبلديين؟

قالوا: وأما النواب فجزاهم الله خيراً، إنهم صوت الحق الذي جلجل لأربع سنوات مضت ففتح العشرات من الملفات الخطيرة جداً.

قلتُ: وأين تسير الأرقام؟ هل في اتجاه حل (الملفات) أم أنها في إضافة ملفات؟

قالوا: قضاينا لا تحل في أربع سنوات.

قلتُ: فلننتظر (الطنجرة) لتحل لنا معادلة رياضية، ولننتظر (الحلاق) ليحقق لنا بطولة (كأس الخليج) في كرة القدم..

قالوا: أنت ضال لأنك تخالف تشخيص القيادة العلمائية.

قلتُ: أموت هكذا ولا أكون أضحوكة لمحاكمة (الراقصة) عند (الطبال).

السيد محمد علي العلوي

17  من ذي القعدة 1431هـ  

25 أكتوبر 2010 م 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *