الرئيسية / مقالات / تنقضي.. أيا نفس فاصبري

تنقضي.. أيا نفس فاصبري

 

26 Oct 2013

يقول السيد ابن طاووس (قدس سره) في إقبال الأعمال: “وروينا دعاء النبي (صلى الله عليه وآله) لأعدائه: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون”[1]، وتفصيلًا جاء في ميزان الحكمة للريشهري، عن ابن مسعود: “كأني أنظر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون”[2].

يدور الحديث عن سماحة الإسلام وسعة العفو فيه، وكم يحتضن من مساحات المحبة والسلام والاستيعاب وحب الخير للغير، ثم أنه ينتقل ليدور حول التعددية في الإسلام واحترام الرأي الآخر، وأن هذا الدين إنما هو مدرسة للبحث والنظر وضرب الرأي بالرأي كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومع نفس هذه الشعارات التي أغرق المسلمون بها الدنيا نشهد حالات متقدمة جدًا من التعدي على مقام الله سبحانه وتعالى والجرأة على التسمي باسمه (الحاكم)، فتتشكل جماعات وجماعات من المسلمين وبِنَفَسٍ ديني تدين شغلها الشاغل رفع تلك العناوين البراقة ثم وفي نفس الوقت ضربها وإيجاع مبانيها حتى اختلطت الأمور ولم يعد المجتمع قادرًا على التمييز بين الصح والخطأ، بل وأكثر من ذلك أن الخطأ الصريح صار صَحًّا صريحًا لا يحتمل النقاش، والصح البين بات خطئًا جليًا لا يمكن مراجعته!!

تتسائل الفطرة عن روح محمد وعلي وآلهما (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)!!

تتسائل عن ثقافة الثقلين كما هي من السماء!!

ثم أنها تتسائل: إلى أي درجة وحد قد وصل المجتمع (الإسلامي) في تيهه وضياعه؟

تفهم الفطرةُ جيدًا أن يكون صدام التكريتي ظالمًا متجبرًا، ولكنها تصاب بزلزال داخلي عندما ترى صدام في سلوكيات بعض (المؤمنين) الذين يمارسون نفس الظلم والتجبر والجور باسم الدين وقربة إلى الله تعالى.. حينها تنعى إلى النفس قلب صاحبها الذي يذوب تحت الأضلاع من شدة ما يرى ولا يتمكن من أن يحرك ساكنًا، وإن فكر في التغيير (بالقلب) فقط، فإنه بين البعض شيطان محارب لله ورسوله!!

لست أطيل في هذه السطور، ولكنني أرفع القلم بنقل ملحمة رسالية تفجرت عن روح رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع، وكل رجائي من القارئ الكريم أن لا يتردد في نشرها ليلًا ونهارًا.. إسرارًا وجهارًا..

 

“أبو محمد الفضل بن شاذان في كتاب الغيبة: حدثنا عبد الرحمن بن أبي نجران (رضي الله عنه)، قال: حدثنا عاصم بن حميد قال: حدثنا أبو حمزة الثمالي، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن العباس قال: حججنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) حجة الوداع، فأخذ بحلقه باب الكعبة وأقبل بوجهه علينا، فقال:

معاشر الناس، ألا أخبركم بأشراط الساعة؟

قالو: بلى، يا رسول الله.

قال: من أشراط الساعة: إضاعة الصلوات، واتباع الشهوات، والميل مع الأهواء، وتعظيم المال، وبيع الدين بالدنيا، فعندها يذوب قلب المؤمن في جوفه كما يذوب الملح في الماء، مما يرى من المنكر، فلا يستطيع أن يغيره.

فعندها يليهم أمراء جورة، ووزراء فسقة، وعرفاء ظلمة، وأمناء خونة، فيكون عندهم المنكر معروفًا، والمعروف منكرًا، ويؤتمن الخائن في ذلك الزمان، ويصدق الكاذب، ويكذب الصادق، وتتأمر النساء، وتشاور الإماء، ويعلو الصبيان على المنابر، ويكون الكذب عندهم ظرافة، فلعنة الله على الكاذب وإن كان مازحًا، وأداء الزكاة أشد التعب عليهم خسرانًا ومغرمًا عظيمًا، ويُحَقِّرُ الرجل والديه ويسبهما، ويبرأ من صديقه، ويجالس عدوه، وتشارك الرجل زوجها في التجارة، ويكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء، ويغار على الغلمان كما يغار على الجارية في بيت أهلها، وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، وتركبن ذوات الفروج على السروج، وتزخرف المساجد كما تزخرف البيع والكنائس، وتحلى المصاحف، وتطول المنارات، وتكثر الصفوف، ويقل الاخلاص، ويؤمهم قوم يميلون إلى الدنيا، ويحبون الرئاسة الباطلة، فعندها قلوب المؤمنين متباغضة، وألسنتهم مختلفة، وتحلى ذكور أمتي بالذهب، ويلبسون الحرير والديباج وجلود السمور، ويتعاملون بالرشوة والربا، ويضعون الدين ويرفعون الدنيا، ويكثر الطلاق والفراق، والشك والنفاق، ولن يضروا الله شيئًا، وتظهر الكوبة والقينات والمعازف، والميل إلى أصحاب الطنابير والدفوف والمزامير، وسائر آلات اللهو، ألا ومن أعان أحدًا منهم بشئ من الدينار والدرهم والألبسة والأطعمة وغيرها، فكأنما زنى مع أمه سبعين مرة في جوف الكعبة.

فعندها يليهم أشرار أمتي، وتنتهك المحارم، وتكتسب المآثم، وتسلط الأشرار على الأخيار، ويتباهون في اللباس، ويستحسنون أصحاب الملاهي والزانيات، فيكون المطر قيظًا، ويغيظ الكرام غيظًا، ويفشوا الكذب، وتظهر الحاجة، وتفشو الفاقة، فعندها يكون أقوام يتعلمون القرآن لغير الله، فيتخذونه مزامير، ويكون أقوام يتفقهون لغير الله، ويكثر أولاد الزنى، ويتغنون بالقرآن، فعليهم من أمتي لعنة الله، وينكرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى يكون المؤمن في ذلك الزمان أذل من الأمة، ويظهر قراؤهم وأئمتهم فيما بينهم التلاوم والعداوة، فأولئك يدعون في ملكوت السماوات والأرض الأرجاس والأنجاس.

وعندها يخشى الغني من الفقير أن يسأله، ويسأل الناس في محافلهم فلا يضع أحد في يده شيئًا، وعندها يتكلم من لم يكن متعلمًا، فعندها ترفع البركة، ويمطرون في غير أوان المطر، وإذا دخل الرجل السوق فلا يرى أهله إلا ذامًا لربهم، هذا يقول: لم أبع، وهذا يقول: لم أربح شيئًا.

فعندها يملكهم قوم، إن تكلموا قتلوهم، وإن سكتوا استباحوهم، يسفكون دماءهم، ويملؤون قلوبهم رعبًا، فلا يراهم أحد إلا خائفين مرعوبين.

فعندها يأتي قوم من المشرق وقوم من المغرب، فالويل لضعفاء أمتي منهم، والويل لهم من الله، لا يرحمون صغيرًا، ولا يوقرون كبيرًا، ولا يتجافون عن شئ.. جثتهم جثة الآدميين، وقلوبهم قلوب الشياطين، فلم يلبثوا هناك إلا قليلًا، حتى تخور الأرض خورة، حتى يظن كل قوم أنها خارت في ناحيتهم، فيمكثون ما شاء الله، ثم يمكثون في مكثهم، فتلقي لهم الأرض أفلاذ كبدها. قال: ذهبًا وفضة. ثم أومأ بيده إلى الأساطين، قال: فمثل هذا.

فيومئذ لا ينفع ذهب ولا فضة، ثم تطلع الشمس من مغربها.

معاشر الناس، إني راحل عن قريب ومنطلق إلى المغيب، فأودعكم وأوصيكم بوصية فاحفظوها، إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدًا، معاشر الناس إني منذر وعلي هاد، والعاقبة للمتقين، والحمد لله رب العالمين”[3].

 

السيد محمد علي العلوي

20 من ذي الحجة 1434 هجرية

26 أكتوبر 2013 ميلادية

 

   

[1] – ج1 ص384

[2] – ج4 ص3228

[3] – مستدرك الوسائل – الميرزا النوري – ج 11 – ص 372 – 374

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *