الرئيسية / مقالات / الفرصة الأخيرة..

الفرصة الأخيرة..

توصيفان غاية في الخطورة..

الأول: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ).

الثاني: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ).

أما في الأول، فإن الله تعالى يعطي الأفضلية للأنعام على كثير من الإنس، فإذا قلت لواحد من هؤلاء (يا ثور) فإنك في الواقع تسيء إلى (الثور) وترفع من نكسه الله تعالى إلى ما دون الأنعام!!

وأما في الثاني، فمن الحجارة ما تستفيد منه الحياة عندما تتفجر منها الأنهار وتخرج من جوفها المياه لتروي الأرض وتنعش الحياة، بل ومن الحجارة ما لا يستقر في مكانه خوفًا وخشية من الله تعالى، فيسقط من أعالي الجبال ليتسريح ساجدًا في الأودية والسهول، وفي قبال هذه الحجارة هناك الكثير من القلوب جعلها الله تعالى أدون من الجمادات، فلو قلت لأحدها (يا جدار) فإنك في الواقع تسب الجدار وتشتم الجماد وتحسن إلى من أركسه الله تعالى في الغي والضلال!!


إنها صنوف من البشر قد وصلت في غبائها إلى درجات متقدمة جدًا، والميزان إنما في مدى فهم الإنسان لواقع الحياة..

(قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)، فالحياة إما أن تكون تكرارًا لما كان من آدم وزوجه في الجنة (فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)، وحينها (فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى)، وإما أن تكون امتدادًا لتوبة آدم (عليه السلام)، وحينها (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)، ولا طريق إليها إلا بتوطين النفس على معادلة (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ).

فالحياة فرصة أتاحها الله تعالى للإنسان بعد المعصية الأولى، وبالتالي فهي محطة نقل إما إلى الجنة ثانية وفيها النعيم والخيرات، وإلا فالعذاب بعدها (بعد الفرصة) لشديد لا يطيقه مخلوق (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا)، ومن هنا نفهم أن الحياة محطة يتزود منها ذوو الألباب لغيرها، وأما من هم أكثر ضلالًا من الأنعام وأشد قساوة من الحجارة فإن زادهم من الدنيا للدنيا، ومن هذا الأخير أناس من أصحاب الشهادات العليا والمناصب المرموقة والمظاهر التي تأخذ بألباب الكثير ممن ذهلتهم الدنيا عن حقيقتها فباتوا أسارى لها وفيها وبها، فهم يبدعون ويبنون ويبتكرون والمآل إلى ما لا يتجاوز حدود شهقة وزفرة، ولو كانوا يبدعون ويبنون ويبتكرون لرقي الإنسان على طريق تنمية الروح الإيمانية وتقوية القدرات العبادية الإبداعية قربة إلى الله تعالى لكانت الفارقة حتمًا..

كل حركة.. كل كلمة.. كل نظرة.. بل كل نَفَسٍ يتنفسه الإنسان، فإنه إن يكن مما ينفع في الآخرة، فهو مما يبعد عن خيرها ويقرب من جحيمها..

وليت القلب يبقى مستذكرًا مستحضرًا لقول الحق سبحانه وتعالى (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ)..

فلنقرأها ثانية (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ)..

تعالوا لها ثالثة (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ)..

آهٍ آهٍ إذا رفعت الأقلام وجفت الصحف..

 

السيد محمد علي العلوي

3 ربيع الأول 1435 هجرية

5 فبراير 2014 ميلادية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *