الرئيسية / مقالات / ماذا قالت (الآلهة) إلى (أرورو) العظيمة؟

ماذا قالت (الآلهة) إلى (أرورو) العظيمة؟

استمع (آنو) الجليل شكواهم:

“ألم تخلق أنت هذا الوحش الجبار؟ الذي لا يضاهي فتك أسلحته سلاح، وكثيرًا ما تستيقظ رعيته على ضربات الطبل، ولم يترك (كَلكَامش) ابنًا لأبيه، وما فتىء يضطهد الناس ليل نهار.. على أنه راعي (أوروك)، السور والحمى، هو راعيهم ولكنه يضطهدهم، وهو قوي وجميل وحكيم.. إن (كَلكَامش) لم يترك عذراء لحبيبها، ولا ابنة المقاتل ولا خطيبة البطل”

ولما استمع (آنو) الجليل إلى شكواهم، دعوا (أرورو) العظيمة وقالوا لها:

“يا (أرورو).. أنتِ التي خلقتي هذا الرجل بأمر (أنليل)، فاخلقي الآن غريمًا له يضارعه في قوة القلب والعزم، وليكونا في صراع مستديم لتنال (أوروك) السلام والراحة”

(انتهى الاقتباس من النص المترجم لملحمة كَلكَامش)، والشاهد في الحل (الإلهي) للحد من طغيان (كَلكَامش)، وهو أن الآلهة ومن بعد أن رفعت لها شكاية الناس استدعت الإلَهة (أرورو) وأمرتها أن تخلق غريمًا لكَلكَامش ليدوم الصراع بينهما، والغاية هي: “لتنال (أوروك) السلام والراحة

وبالفعل خلقت الإلهة (أرورو) غريمًا لكَلكَامش اسمه (أنكيدو)، غير أن (كَلكَامش) عندما وصله أمر (أنكيدو) على لسان صياد ذعره بأس (أنكيدو) وعزمه، أمره بالخطة التالية، وفيها الشاهد الثاني:

“انطلق يا صيادي واصطحب معك بغيًا، وحينما يأتي –المقصود (أنكيدو)- إلى مورد الماء لسقي الحيوان، دعها تخلع ثيابها، وتكشف عن مفاتن جسمها، فإذا ما رآها اقترب منها وانجذب إليها، وعندئذ ستنكره حيوانته التي ربيت معه في البرية”

(انتهى الاقتباس من النص المترجم لملحمة كَلكَامش)

وقع (أنكيدو) تحت قدمي البغي وأخذ يباشرها حتى خارت قواه ولم تعد ركبتاه لتحملانه!!

الشاهد الأول: (لا بد من الصراع الطاحن لنيل السلام والراحة):

ما ينبغي الانتباه إلى جيدًا، أن نظرية (إشعال) الفتن والحروب بقصد قاصد، ليست لمجرد إشغال الناس، ولكنها في واقع ثقافة الملوك نظرية نسبها أدب الرافدين إلى الآلهة، ثم أنها دخلت بشكل قوي في الفكر الفلسفي لفلاسفة كبار مثل هيغل الذي أخذ عنه كارل ماركس فكرة (الديالكتك) ولكن هذا الأخير صححها بحسب رؤيته بعد أن قال (إن الديالكتك الهيجلي كان مقلوبًا، ويجب عكسه بحيث أن يكون رأسه إلى الأعلى وقدماه إلى الأسفل)، وقد تتضح الفكرة بشكل كبير إذا ما قرأنا واقع الصراع الذي يفترضه بل ويدفع في اتجاهه الفكر الماركسي لغاية إفناء الطبقية في طبقة العمال والانتهاء بالبشرية إلى الراحة والسلام.

ومن النظريات (الأصيلة) في إبعاد المنافس والحد من خطره بل وجره إلى العمل ضد ثقافاته التي من الفترض أن تكون في عمق وجوده الفكري، نظرية (إشعال الشهوة) ومن أوسع مصاديقها (شهوة الجنس).

مقدمة على الطريق:

وليسمح لي القارئ الكريم البدء بالنتيجة، وهذا في الواقع خلاف المنهج العلمي تمامًا..

لن تتغير مثل هذه النظريات، ليس لواقعيتها، ولكن لأن من يريد التغيير متخلف عن التعرف إليها والإحاطة بمناشئها، وهذا من الأخطاء العظيمة التي تقع فيها الحركات التصحيحية في عموم المجتمعات الآدمية، ثم أن التخلف المحوري الآخر بعد تلك الحركات عن الحلول (الإلهية) الحقيقية التي طرحها الإسلام العظيم في ثقليه المقدسين القرآن والعترة، وفيهما أن الراحة والسلام كذبتان ووهمان إن كانتا معلولتين للتعب والإنهاك وغلبة السلاح وبرد الدم بعد فورانه حتى يصعد إلى الرأس الأقوى المستبد، ولا احتمال غير ذلك سواء أعطيناه اسم (العامل) أو (أنكيدو)!

فالراحة والسلام في نظر الثقلين ثقافتان عن قيم ومبادئ وعقائد متينة تورث قلوبًا واعية وعقولًا مستنيرة، ولا يمكن ان يتحقق السلام بالقتل والذبح، كما وأن الراحة ممتنعة عن أن تكون نتاج التخويف والرعب..

نعم، هذا صحيح بالنظر إلى الأقوى المستبد، فهو يعيش في راحة وسلام بعد نشر الرعب في قلوب المنافسين كبارًا كانوا أو صغارًا.

ثم أن الشاهد الثاني كان نقطة ضعف توارثة الحضارات القديمة دقة المعرفة بها، حتى نسب استغلالها إلى (كَلكَامش) وهو الذي يعيش بثلثي إله!!

إنها الشهوة، وعلى رأسها شهوة الجنس، ولا يخفى على الأقل منا ذلك الاهتمام العظيم من الإسلام بهذه القضية ومعالجتها بقيم حقيقية، ما إن انقلب عليها الإنسان وتعبقر في قبالها حتى أمسى وبات وأصبح مسخًا لا يردي أهو عيب أن تظهر الفتاة مفاتنها أو أنه تحضر وتمدن!! ولا يدري إن كانت الملابس الداخلية للشاب مظهرًا من مظاهر الوعي والفهم أو أنها عيب وقلة أدب!!

خلاصة الكلام:

من يتمكن من قراءة الثقافات من عمقها التاريخي البعيد فإنه يتمكن صياغة فكره صياغة أقرب إلى الصحة، وهذا ما برع فيه قواد العالم والمتسلطين على مقدرات الناس، وأما الأكثر من رواد التصحيح فهم منهمكون في قراءة الحدث وتحليله، فيخرجون في الغالب بنتائج لمَّاعة ولكنها (لن) تجدي.  

 

السيد محمد علي العلوي

13 جمادى الأولى 1435 هجرية

14 مارس 2014 ميلادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *