الرئيسية / مقالات / هذا في (غاية الإمكان)، ونحتاج إلى (Hashtag)

هذا في (غاية الإمكان)، ونحتاج إلى (Hashtag)

صدعتنا الروح الإنهزامية بالترويج للصح على أنه مثالية وأنه بعيد عن الواقعية، وما هذا إلا لقلة عزمها وضعف همتها، وإلا فانتشار الشر ممكن بل واقع، وإذا دار الحديث حول ضده المباشر انقلب في لحظة إلى مثالية لا تُنَال، وهذه بكل صراحة ووضوح (قِسْمَةٌ ضِيزَى)..

فلننتبه جيدًا..

إنه نعم، فإن الحديد لا يفله إلا الحديد، ولكنه وبالرغم من الفل يبقى حديدًا صلبًا متصلبًا، وهو نفسه لو أنك تسلط عليه النار وطبعها لطيف ناعم فهي تذيبه وتجعله مائعًا لا قدرة له على مقاومة إعادة تشكيله ولو بيد الهواء، وهذه النار القوية التي تصهر الحديد لا تقوى على مصارعة الماء بشموخه الهادر فتتصاغر وتتقزم حتى تكون نسيًا منسيًا.

عندما نتحدث عن الشر وانتشار الفساد وامتلاء بعض القلوب بالأحقاد واستشراء الظلم للنفس وللغير، فإن كل ذلك ليس لقوة حقيقيه يعيشها الشيطان وجنوده، ولكنها لانكفاء الخير واكتفاء أهله بالتذمر والتأفف والترحم على (الزمن الجميل)! والحال أنهم لو يخرجون عن سكونهم أو مراوحتهم في أمتار متقاصرة، فإن المعادلة قابلة للانقلاب تمامًا، وقد حدث مثل هذا في بلاد مثل سنغافورا واليابان، فالناس هناك قد صاغوا لأنفسهم واقعًا جديدًا نَظَّروا إليه جيدًا وانتشروا في جغرافياتهم من خلاله، ولو أننا نركز على القيم التي تبني المجتمعات ونقدمها على ألواننا وأعراقنا لتمكنا من إحراج الشر في زوايا ضيقة تسلبه القدرة على التمدد والانتشار.

بالفعل، فما أقوله نظري جدًا، ولكن العمل بلا نظر يساوي تمامًا ركض بلا أمل، وهو في نتيجته يجعل الإنسان (كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث)..

نذكر دائمًا اللوحة البيضاء التي تتلوث بنقطة سوداء، والعجيب أننا لا نستحضر اللوحة السوداء التي تظهر فيها النقطة البيضاء كظهور تلك في تلك، فالقضية إذن ليست مجرد خمول وقلة عزوم، ولكنها أيضًا سلبيات نتنفسها ونعيش عليها مدمنين لها كذاك الذي أدمن الهيروين حقنة تطأ صماخ دمه بأخمصها.

كم من مطالب وحاجات وآمال يسعى لها الناس؟ وكم منها دُشِّنَت له الـ (Hashtags) وصفحات التواصل الاجتماعي وما شابه؟

تعالوا هنا، ولندقق عن عقول وقلوب..

يقول الله تعالى (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)، ويقول تبارك ذكره (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، ثم أنه عز وجل يقول (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، وقال جل شأنه (فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)..

أما الإمام الصادق (عليه السلام) فيقول: “لأن أندم على العفو عشرين مرة، أحب إلي من أن أندم على العقوبة مرة واحدة”..

لماذا الصدقات؟ لماذا الزكاة؟ لماذا الخمس؟ لماذا إغاثة الملهوف؟ لماذا الإطعام؟

كلها من فضائل الإسلام تحمل فلسفة مشتركة عنوانها (إشاعة روح الحب والتكافل بين المؤمنين)، ومن هنا أطرح التالي:

هذا الإسلام العظيم.. هذا الإسلام الذي رفع راية الدعوة إلى الخير من خلال اسمه مجردًا (إسلام)..

هذا الدين الشامخ الذي أشاع الحب والتسامح والعفو والتجاوز بين المؤمنين (رُحَمَاء بَيْنَهُمْ)..

دينٌ يؤسس إلى التعقل والحكمة والهدوء والرصانة (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)..

دين يراد له أن يقوم على أن (المسلم من سلم الناس من لسانه ويده) كما قال الإمام الصادق (عليه السلام)..

ألا يستحق هذا الدين العظيم حملة إيمانية على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي تحت (Hashtag) مثل:

#إسلامنا_محبة_وسماحة أو #إسلام_الألفة_والمحبة أو #أحبكم أو #أحباب_الإيمان

أو غير ذلك مما يبدعه تألقكم..

ربما يقول قائل: كما أن الإسلام يدعو إلى المحبة والتسامح والعفو والتجاوز، فهو يدعو أيضًا إلى السيف والجهاد..

وأقول: هذا صحيح جدًا ولا خلاف فيه، ولكن الحاجة الأصلية هي الحب والعفو والتسامح والتجاوز، وأما السيف والجهاد وردع المعتدي فهذه فضائل بلا شك، ولكن في وقتها، وهي بكل وضوح عارضة..

المحبة سلاح ماضٍ.. العفو أدب رفيع.. التجاوز تألق للروح.. التآلف إبداع وحكمة..

 

السيد محمد علي العلوي

9 جمادى الأولى 1435 هجرية

11 مارس 2014 ميلادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *