الرئيسية / مقالات / صدام العقليات ونواقض التعقلات

صدام العقليات ونواقض التعقلات

نؤمن بأن الحق واحد وما دونه باطل، ولكننا نؤمن أيضًا بأن هذا الحق الواحد تعددت مصاديقه في العنوان الواحد أم لا، فهو مما يصعب غالبًا، إن لم يكن متعذرًا على الإنسان الجزم بإصابته، وأعتقد بوضوح هذه المسألة في ما نجده من تعدد الثقافات والعقليات والأفكار والمذاهب وما نحو ذلك مما يرجع في أصله إلى التركيبة العقلية التي يمشي بها الإنسان، وهذا لا يبرر الباطل على الإطلاق، ولكن الكلام تحديدًا في كيفية التعاطي بين العقول بمختلف صِيغها الثقافية.

فلنضرب مثلًا..

نحن كمسلمين نؤمن بالله الواحد الأحد الفرد الصمد إيمانًا مطلقًا لا تردد فيه، وولكنه ليس من المقبول أن ندخل في جدل مع الآخر بالبناء على قواعدنا الخاصة، ولكن الصحيح – كما أراه – هو أن نعتمد منطق النقض لغاية إيجاد منطقة مشتركة ننطلق من خلالها، وإن لم نتمكن من إيجادها فمن المستبعد الوصول في النقاش إلى نتيجة إيجابية، بل الأرجح أن تشتعل الصدامات وما يتلوها من تنازعات وخصومات تفرز الناس فرزًا حادًّا جدًّا.

وهنا لا بد من الإشارة إلى نقطة في غاية الأهمية، وهي أن الإصرار على الوصول إلى نتيجة معينة واختزال الموقف من الآخر في مسألة النتيجة لهو مما لا ينبغي على الإطلاق..

نعم، فالوصول إلى نتيجة إيجابية أمر جميل ونهاية راقية، ولكنها ليست مما يشترط في عالم الطرح الفكري؛ فهذا الأخير مطلوب إنسانيًا، لا لغرض مكسب أو غلبة أو ماشابه!

عندما أفكر في سيرة الأنبياء والرسل (عليه السلام)، وكذلك ما يظهر لي من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، أنهم كانوا في اشتغال بالبيان نقضًا وحلًّا، بل حتى مع المنافقين ومن هم أشدّ منهم لم أقف على حالة تشير إلى تسلط على العقول أو ما نحو ذلك، وحتى في صفين عندما انتهى الأمر إلى التحكيم الذي لم يكن خيار أمير المؤمنين (عليه السلام) التزم بنتائجه بعد أن سيطرت عقلياته على الجو العام.

ولذلك فإن الاشتغال بالبيان هو في واقعه اشتغال بالصياغة العقلية التي يريدها المعصوم (عليه السلام) في مثالنا، وأي مفكر عمومًا، وبعد هذه الصياغة فمن آمن بها كان منها ومعها، ومن لم يؤمن فإنه من ومع غيرها، وكهذا هي عجلة الإنسانية تدور حول قطب الثقافة والفكر.  

مشكلة الصراع الفكري –كما أتصورها- ليست من إبادعات الخوف على الصالح العام ولا ما يدور في فلك هذا العنوان وأمثاله، وإن كان كذلك فهو ليس بقدر نزعات الغلبة والسيطرة وإثبات الذات وكسر الآخر، وهي كلها مدلولات لدرجة التنازع التي تغرق فيها البشرية إشهارًا مرة وإضمارًا مرات ومرات.

فليلاحظ القارئ الكريم الموارد التي يتحدث فيها المعصوم (عليه السلام) ثم يسأل: هل بلغت؟ اللهم فاشهد.

هنا الفاصلة بلا منازع، فمسألة التسلط على العقول لا وجود لها على الإطلاق.. بلى هناك عقول تؤجر نفسها أو تبيعها أو تعيرها، ولكن الأمر أولًا وأخيرًا برضاها إما عن وعي أو عن غير وعي، ولذلك فإن الهجوم على الآخر والضرب في مبانيه ورؤاه لم ولن ثم لن ولن يأتي بثمار حميدة، فهذه الأخير معلولة فقط وفقط للحوار المتعقل والحكمة لغاية واحدة لا شريك لها، وهي أن الطرح الثقافي والفكري حق للإنسانية دون نظر لا لغلبة ولا سيطرة، وإنما طرح علمي متزن حكيم مؤدب ينشر في حدود المعقول، والباقي على الله سبحانه وتعالى.

أكرر لأختم:

القضية ليست في صوابية هذا الفكر وضلال ذاك، ولكنها تحديدًا في كيفية التعاطي بين العقليات المتغايرة والمتباينة بعيدًا عن التبريرات أو التأييدات.       

 

السيد محمد علي العلوي

27 جمادى الآخرة 1435 هجرية

27 إبريل 2014 ميلادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *