الرئيسية / مقالات / بحر محيط، وسفينة، وشراع..

بحر محيط، وسفينة، وشراع..

عندنا بحر محيط تولد مياهه تيارات قوية يتغير اتجاهها بتغير اتجاه الرياح وعوامل طبيعية أخرى، وعندنا سفينة لو خلي بينها وبين الأمواج لاخذتها تياراته ذات اليمين وذات الشمال بتسليم منها تام ودون أدنى مقاومة، ولو أن شراعًا علا في وسطها لكان تحملها لدفع التيارات أخف وأهون ولكان طوعها للهواء أكثر انسيابية، ولو كان لهذا الشراع سواعد عاقلة توجهه في وسط تيارات الماء والرياح لكانت السفينة في مأمن من غدر الطبيعة وقسوة أفعالها، بل ولكانت كل العوامل خادمة لتوجيهات السفان..

ألا ترون تشابهًا بين دنيانا التي نعيش حلوها ومرها، وبين البحر المحيط الذي تعيش مياهه بين سكون وهياج؟

ألا ترون أننا أشبه ما نكون بتلك السفينة التي لا تقبل بغير مياه البحر سكنًا؟

أوليست إنسانية البشر هي الشراع الذي يحافظ على توزان السفينة؟

أوليس الفكر الرشيد هو السواعد العاقلة التي توجه الشراع؟

ولكن.. كم من سفينة غرقت وتهشم كل شيء فيها بسبب خطأ السفان في لحظة غفلة أو نسيان؟ وكم من أرواح أزقتها تيارات المياه القاسية عندما ظن الربان ظنًا وأرادت اللواقح غير ما ظن، ولو أنه ترك أمر القيادة للسواعد المتعرقة لنجا ونجوا..!!

قالوا قديمًا بأن السفينة بربانين لا محالة تغرق، وهذا قول حق إذا كان قصدهما أو أحدهما التصدر في القيادة، وهو تخوف يرفعه طاقم قيادي عارف بالصنعة فاهم بمداخلها ومخارجها، ولكنه يترسخ ويتجذر في النفوس إذا أصر لون واحد على توجيه الشراع وتوظيف السواعد والأكتاف كيفما وحسبما يرى، والنتيجة في نهاية المطاف غرق محقق وحطام ينقل صوره التاريخ ويسجل جولاته القلم، ولو كان هذا اللون صادقًا مخلصًا متقيًا ورعًا فإنه لن يكون أفضل من سابقه؛ فالتردد والاحتياط خوفًا من النتائج ملازم لتقواه وورعه، وهذا طبيعي في غير المعصوم تكوينًا، وبالتالي يبقى التصدع حليف الرحلة والدوار رفيقها والغرق خاتمتها، لذا فليس من مخرج غير الطاقم القيادي الذي تذوب فيه الأسماء وتلمع منه الفكرة وينضب من جوانبه العطاء.

هذا وعلى صفحة من صفحات القضية نرى بأن السفينة تتأثر بالثقب الصغير وتختل لأقل تسريب، ولذلك فمن الضروري جدًا المحافظة على قوة جسدها بمكوناته المختلفة، وهو في واقعنا عموم الناس الصغير فيهم والكبير.. المرأة والرجل، ينبغي لنا جميعًا أن نكون على قدر المسؤولية وفي مستوى التحدي بحيث لو ظهر خلل في الشراع أو في السفانين تمكنا نحن من المحافظة على قوتنا في عرض المحيط، ولا شيء يكفل ذلك غير العلم والمعرفة والتدبر والتأمل بشرط معاداة الفكر الإمعي والثقافة الواحدية، حيث إن انتفاء هذا الشرط يعني انتفاء المرجو من العلم والمعرفة والتدبر والتأمل وبالتالي العودة إلى مربع الخطر ثانية.

ينبغي لنا أن نفهم جيدًا بأن التيارات عاصفة لا ترحم إلا من يطاوعها ويسير في اتجاهها حتى لو كان منتهاه نار جهنم، ومشكلتها في حياتنا المعاشة أنها تأتي حمَّالة رفيقة لا يشعر بها الغافل حتى تفقده هويته الفكرية فيكون غير ذي رأي فضلًا عن أن يكون ذا نظر وقرار، وهذا الذي بدأ يتحقق بالفعل بعد أن أعلنت الأمة عجزها عن صناعة واقعها أو حتى رسم معالمه على الورق، فالكل اليوم يسير في اتجاه التيار، والفرق بين هذا وذاك أن هذا يسير بزي التدين والمتدينين وذاك يسير بزي التفسخ، وبينهما يسير العلماني واللبرالي واليساري والشيوعي واللاديني.. الكل يسير بحسب ما يريد التيار وبالمقاس الذي تفصله الأمواج، والعزاء في وسط هذه السمفونية الصاخبة هو أنني أنا شعارٌ ورسمٌ، ولا يحق لأحد أن يسأل عن باطن ومخبر..!!

سوف يبقى الحال هكذا كما هو عليه اليوم، معارضة لا معارضة فيها، وفي الجانب الآخر انبطاح كله صدق وإخلاص، ومن فوق ومن تحت ممانعة ومسايرة كلها وجوه لحالة واحدة عنوانها الضياع والتيه بسبب عدم وضوح الرؤية التي هي نتيجة طبيعية جدًا لتاريخ من الأحادية وعدم الاعتراف بالآخر، هذا والناس قبلت بدخول الأسر عندما حصرت نفسها في العناوين وما وُظِّفَ لتلميعها من أقوال وأقاويل من جملتها أنه لا يمكن أن يأتي التغيير والإصلاح إلا من (الكبار)، وهذا في الواقع مما توهمه العباد فأصبح كأيادي الأخطبوط تخنق الإبداع في الفكر وتقتل أي محاولة صادقة تنبع من أي طبقة غير طبقة (الكبار)!!

نعم، للكبار مكانتهم، ولمكانتهم أهمية لا نستهين بها بل ولا نقبل بالتخلي عنها، فالجماعة تحتاج للكبار دائمًا، ولكننا نصر على وجوب أن يكون (الكبار) صنيعة الثقافة الزاهية بألوانها المتعددة، لا صنيعة الفكر الواحد، والواقع أن (الكبار) اليوم وإن تعددت ألوانهم إلا أن كل واحد منهم لا يقبل الاندماج بلونه مع الألوان الأخرى، وبذلك فإن الاستبداد الذي يعتصرنا هو استبداد مركب يأخذ بالنواصي والأنفاس.

لا أدعو إلى قِيامٍ على (الكبار) –والعياذ بالله- ولكنني أدعو إلى قيام على الذات من أجل إرجاعها إلى فطرتها فطرة العطاء وصناعة الحدث، حتى يفهم (الكبار) والصغار بأننا سفينة عصية على الأمواج والتيارات، سفينة قادرة على شق طريقها في وسط الظلمات، سفينة لا تعجز عن خلق النور وبثه أشعة شمس في هذا الوجود، فلتكن الانتفاضة على واقع الخمول وخمول الفكر وفكر الجمود على اللون الواحد، ولتكن النهضة نهضة واعية تقوم على أسس طليعية من العلم والمعرفة والثقافة والفهم ليسير (الكبار) والصغار وفق الإرادة الأصيلة لشعب له حضارة فريدة وتاريخ كله رفعة وشموخ.

نحن سفينة في وسط أمواج لا معرفة لها بالتفاهم والمساومة، ولذلك لا مجال عندنا لأي تهاون أو غفلة؛ فربما كان في لحظة من لحظاتها هلاكنا الأبدي، ولا هلاك أعظم من أن ترفضنا دولة الحق المهدوية بعد أن تقوم البينة على خذلاننا للقضية الكبرى.. قضية أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) التي لا تخرج في مفاصلها ودقائقها عن عنوان.. الحق في مواجهة الباطل..

لا يزال الأمر بين أيدينا، ولا تزال الخيارات على مرمى من عقولنا، ولكن كل شيء قد يفوت بلا رجعة إن لم ننتبه اليوم ونعدل اوضاعنا بعقولنا لا بعقول غيرنا.

السيد محمد علي العلوي

9 صفر 1432 هجرية  

14 يناير 2011

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *