الرئيسية / مقالات / حسينيتنا والبوصلة

حسينيتنا والبوصلة

عندما يقف الحسين (عليه السلام) يأتي العقلاء فيصطفوا خلفه متخذينه دليلًا يرشدهم إلى الطريق القويم نحو الله تعالى ورضاه، فيكون الشكل هندسيًا كالمستقيم منتهاه الله تعالى ونقاطه أهل بيت العصمة (عليهم السلام) والعقلاء من خلفهم يسيرون أينما ساروا ويتحركون كيفما تحركوا، هذا إذا كان مسير المعصوم (عليه السلام) واضحًا لنا وضوحًا يورث اليقين والجزم، أما إذا كان (عليه السلام) ظاهرًا في سيرته المنقولة وآثاره المروية ففي المقام طرف تحكيمٍ يدخل حتى يحافظ على مسيرنا مستقيمًا معه (صلوات الله وسلامه عليه)، وهذا الطرف هو القواعد الكلية التي يقدمها لنا القرآن الكريم وطبيعية كون المعصوم معصومًا.

دعني أعطيك مثالًا..

من القرآن الكريم والآفاق وأنفسنا نقطع باليقين أن الله تعالى حكيم حليم، ونحن نقف بعقولنا خلف المعصومين (عليهم السلام) متخذين آثارهم بوصلة نتبعها كلما دلت على الحكمة والحلم، ولذلك فإننا نرفض أو لا أقل نتوقف عند كل أثر يَحرِفُ البوصلة عن اتجاه الحكمة والحلم؛ فمخالفة المعصوم (عليه السلام) لسيرة السماء ولو بمقدار أنملة أمر محال لا يمكن وقوعه، بل ولا يمكن حتى فرض إمكانه، وقياسًا على هذه القاعدة الحاكمة فإنه لا يمكننا قبول ما يخالفها حتى لو نسب إلى أجل الصحابة أو الأصحاب وأعظمهم، بل نرفض نسبته إذا لم نرى عليه ردع من المعصوم (عليه السلام).

هذه مقدمة أولى، أما الثانية ففي الأثر السلوكي للألفاظ والمصطلحات، وهذا أمر ثابت بالقطع يؤكد عليه أهل الاختصاص من علماء وعارفين، بل وأكثر من ذلك أن سلمية الألفاظ تؤثر حتى في الجمادات من حيث سيولة مركباتها الدقيقة وتصلبها، وهذه تجربة أجريت في بعض المختبرات اليابانية على كمية من الماء سلطت عليها ألفاظ سلم وحب فازدادت سيولتها، وبمجرد أن تتبدل الألفاظ إلى ألفاظ شر وعنف تتبدل معها حالة الماء إلى كدورة، ففي تصوري أنه لا ينبغي إنكار حقيقة تأثير الألفاظ والمصطلحات على السلوكيات والثقافات الإنسانية، فما تلقيه من إيحاءات وتلقينات ما ورائية، تكشفها فيما بعد الأحداث والوقائع التي يصيغها الإنسان فيصنع بها حاضره ومستقبله.

تعمل هاتان المقدمتان عن قناعة مني بقوة في عمق تفكيري فلا أستسيغ لنفسي مغادرة كلمة أو خطاب قبل أن أستوعب مدلولاته من خلال ما يتوفر فيه من دوال، فالدال نافذة قائمة على مدلولها ولا يمكن حرفه عنها إلا بإقامة قرينة واضحة بشرط وجود مناسبة عقلائية، وهذا ثابت فكري لا يسعنا تركه ولو تركته الدنيا بناسها، وهو ما دفعني للتوقف مليًا عند مقولة يرددها المؤمنون وخصوصًا في أيام عاشوراء الحسين (عليه السلام) وبالأخص عندما ترتفع وتيرة الحماس في الموكب لطمًا كان أو تطبيرًا.. إنها المقولة التي تنسب إلى الجليل الأجل والبطل المغوار أسد الحروب عابس بن شبيب الشاكري (رضوان الله تعالى عليه)، وهي: “حب الحسين أجنني” أو “أجنني حب الحسين“..!!

بقى في داخلي أمر ما يرفض قبول هذه المقولة، ففي الأصل الأصيل أفهم جيدًا بأن الله تعالى هو الحكيم العليم، وعليه فإن بوصلة الأحاديث الصادرة عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام) في هذا الاتجاه دائمًا وأبدًا وبكل دقة، فإذا صدر عن أحد أصحابهم ما يخالفها كان مما لا بد منه أن يردعوه وفاء لغرض وجودهم الأقدس في هذه الحياة الدنيا، وإلا فهو نقض واضح لا يسلم به شيعي عاقل، وتصوير حالة الحب الشديد لأهل البيت (عليهم السلام) بالجنون تصوير لا يليق بأصحابهم الذين اكتملت عقولهم بالذوبان فيهم فكانوا أصدق أمثلة الحكمة والوقار والتسليم عند الهزاهز وما علا، والزلازل وما دنا، فهذه المقولة يصعب جدًا التسليم بها، وهذا ما دفعني للبحث في الكتب المختصة وكانت النتيجة أنني لم أجد لها أثرًا –بحسب ما بذلت من جهد-، وحتى أرتكز فيما أنا ذاهب إليه على ركيزة اليقين تشرفت بمراسلة أكابر مراجع الطائفة الكترونيًا من خلال مكاتبهم سواء في الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو في النجف الأشرف أو في كربلاء، فوصلتني ردودًا من مكاتب الآيات العظام: السيد صادق الشيرازي، الشيخ مكارم الشيرازي، السيد علي السيستاني، السيد صادق الروحاني، الشيخ بشير النجفي، السيد سعيد الحكيم. فأفاد بعض بأنهم لم يجدوا هذه الرواية فيما طالعوه من كتب، ووجه بعض آخر إلى مراجعة كتب المقاتل، ولم يذكر أحد منهم (أدامهم الله) مصدرًا واحدًا يمكن الرجوع إليه، وهذا خلاف سيرة المكاتب في التوجيه إلى المصادر عند السؤال عن ما يشابه ما نحن في صدده.

ذكرت قبل قليل الأهمية البالغة لمثل هذه المتابعات، ولتأكيد ذلك أحيل القارئ الكريم لقراءة بعض السلوكيات العزائية التي أجبرنا على عدم مناقشتها بسبب مقولة (حب الحسين أجنني)، فالمعزي لاطمًا كان أو مطبرًا تراه (ينط ويقفز) في هيئة لا شك أنها لا تناسب سيرة العزاء الحسيني الذي يستمد عظمته من عظمة أصحاب المصيبة (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، وعندما تحاول التوجيه لمناقشة مثل هذه الثقافة (الجنونية) فإنك تجابه مباشرة بكلمات من قبيل: هذا هو العشق الحسيني ولا يفهمه غير الذي جن في حب الحسين..، ثم أن عابس قد قالها في كربلاء..!! وفي الضمن كأنه يقول بأن الحسين وسائر الأئمة الأطهار من بعده (عليهم السلام) لم يصدر عنهم ردع أو إنكار لها، والنتيجة أن (المجنون) لا يحاسب، فأي شيء نصنع في الموكب الحسيني مبرر بـ (حب الحسين أجنني)، بل وحتى خارج الموكب حيث إن (الجنون) في الحسين (عليه السلام) أصبح مستحبًا ممدوحًا لا يناله إلا ذو حظ عظيم، بل وتجذر في عقول المتخاذلين عن طلب العلم والمعرفة أن المراد من الشعائر هو إظهار أعلى مستويات (الجنون) في الحسين (عليه السلام)، وإن فكر أحد في زلزلة هذه القناعة غير الصحيحة، فإنه يُزَلْزَلُ بردود قد تخرجه من الإيمان في نظرهم!!

فليجرب الحسينيون استبدال مثل هذه المقولات بعبائر موافقة لحقيقة ثقافة الولاء الحسيني، مثل: الحسين حكمة وعقل، الحسين رسالية لا تتوقف عن العطاء، كربلاء سهم حق في قلب الباطل، الولاية وعي ومعرفة

ولتتكرر هذه الكلمات بشكل مكثف على مسامع الناس من الرادود والخطيب وفي الكتاب والمقال، وسوف نرى كيف أنها تؤثر في تصحيح مسار الحالة الثقافية في المجتمع بما يقربنا حقيقة وواقعًا من ألطاف بطل كربلاء وحفيده القائم المنتظر (أرواحنا فداه)..

فلنتخلص من كل ما يجانب السيرة الواضحة للأئمة الهدى (عليهم السلام)، ولنرفض أن يسيرنا الجهل إلى حيث موت الروح وتشويه رساليتها فينا.. الأمر بيدنا ولا ينقصنا غير التزود بشيء من الشجاعة والإقدام..

أقول: حب الحسين يكمل عقلي.. حب الحسين حكمة ووعي

وأقول: لا يمكن للجنون أن يخترق عقل شيعي موال ولا حتى على نحو المجاز.. نحن عقلاء حكماء عارفون بالحسين (صلوات الله وسلامه عليه)، ولا نسمح باستخدام اسم الحسين (عليه السلام) في تمييع ثقافة الوعي الحسيني التي أرادتها السماء لكل إنسان يرفض التنازل عن إنسانية العلم والمعرفة والإبداع الفكري.

وأخير أقول: إن التهاون في مثل هذه الأمور يعني تواصل الفشل وملازمته لأي حركة تصحيحية يراد لها أن تكون على مسار كربلاء الحسين (عليه السلام)..

نحن أقوى من كل العالم.. نحن أقوى بلطمنا وبتطبيرنا وبدموعنا، ولكن هذه القوة مشروطة حتمًا وقطعًا بالتوفر أولًا على قوة الوعي والعلم والمعرفة، وهذا ما تنقضه ثقافة (الجنون) التي تورث لنفسها مدافعين لا يأبهون بنار الباطل وهي تلتهم القيم والأخلاق، ولكنهم على أتم الاستعداد للتضحية في سبيل تصحيح (واهم) لمقولة “حب الحسين أجنني”.. وهذا ما تورثه مثل هذه الثقافات التخاذلية إن تركناها (تسرح وتمرح).      

 

السيد محمد علي العلوي

15 صفر 1432 هجرية  

19 يناير 2011  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *