الرئيسية / مقالات / كم هي جبانة حقيرة سافلة

كم هي جبانة حقيرة سافلة

يرتجز المحاربُ قديمًا وهو يحمل بيمينه سيفه، وبدرعه يتلاعب وهو يَصُدُّ السِهام وضربات السيوف.. رجلٌ لرجل..

يخجل المحاربُ الفارِسُ البطلُ من مُبارزة الأضعف، وتمنعه رجولتُه عن غير المُتَجَهِّز البارز.. هكذا هم الرجال، ولا أطيل.

يتباهى الجُبْنُ اليوم بمُسَدَّسٍ أو قذيفة أو صاروخ أو قنبلة أو ماشابه من أدوات الفتك التي لا تعتمد المواجهة المباشرة التي يكون الفصل فيها لفنون القتال وقوة المِراس ومهارات الجسم والعضلات في الهجوم والتراجع والتمويه وما نحو ذلك.. إنها إنصاف الواحد للواحد..

يتباهى الجُبْنُ برصاصة قوتها في تسافلها القيمي، فهي تنطلق عمياء لا طاقة لأحد على إرجاعها.. تنطلق ولا تفهم غير التدمير، ولو أراد من أطلقها إرجاعها، فهو عن ذلك أعجز ما يكون!

لا يَبْعُدُ اليوم، بل طالما حدث أن قتل (زُعْطُوطٌ) بطلًا مِقدامًا برصاصة انطلقت من مسدس غبي يحمله جبان، وكم من أبرياء سُفِكتْ دماؤهم ظلمًا وعدوانًا بقذيفة حقيرة أو قنبلة سافلة، وهم لا يملكون حتى المقاومة في أدنى حدودها!

لقد أدى هذا التراجع الأخلاقي في سوح المواجهة إلى الانتهاء بالرجال ذوي المروءة للتسلح بنفس أسلحة الفتك الجبانة، ولكنهم لا يزالون مصرين على استخدامها في ظروفها الخاصة جِدًّا عندما لا يمتلكون خيارًا غير هذا النوع من الفتك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..

عندما يُطلِلقُ المحاربُ سَهمَه مُصَوَّبًا، فإن الهدف يملك التفادي، فسرعة السهم لا تزال في حدود قوة إدراك الإنسان، وهو موضوع المعادلة من أولها إلى آخرها.

ولكن الرصاصة القذرة، فإنها تمزق الأحشاء قبل أو في لحظة إدراكها؛ إذ أن سرعتها تفوق القدرة الإدراكية للإنسان عادة، فهل من جُبْنٍ أعظم من هذا؟

قالوا قديمًا عن الحرب بأنها أخلاق وقيم ومبادئ وأصول، فهي في الأول والأخير رجولة ومروءة، وهذه تنتفي مع بروز حالة الانتقام والتشفي وما نحو ذلك مما جرى مع الحسين (عليه السلام) في كربلاء!

أيُّ أخلاقيات وأيُّ قيم وأيُّ مبادئ وأيُّ أصول في حروب اليوم؟ وهل تستقيم هذه الفضائل مع قذارة الرصاصة وما في حكمها؟

أقولها بضرس قاطع: لا.

في تصوري أن منشأ الفكرة، وأقصد فكرة السلاح الفتاك هي إرادة الانتقام بكل مفرداته السافلة، وكلما تقدمت ثقافة التمزيق والإفناء، كلما تقدمت معها أفكار التطوير في أسلحة الفتك، وهذا غير ما نشأ عليه الرجال المحاربون في زمن ما قبل الآلة..

نعم، فالآلة بما هي آلة دالة على التقدم العلمي، ولكنها وبما هي مُفنية للإنسان مع قصد تقليص أو إعدام فرص المقاومة عند الطرف الآخر، لا يمكن أن أتصورها غير تراجع كبير جِدًّا في أخلاقيات الإنسان وقيمه. فتأمل جيِّدًا..

أتسائل الآن..

كيف نحن بعد احتراف الكثير منَّا تناقل مشاهد الفتك الأوتوماتيكي بصنوفها عبر وسائل التواصل الاجتماعي بألوانها؟

كيف نحن وقد ألفنا الرصاصة وهي تمزق أحشاء إنسان؟

كيف ترانا أيها المخلوق الخارجي ونحن نصفق للقصف بالصواريخ والقذائف والقنابل والرشاشات؟

ألا تلاحظون آثارًا ثقافية أقلها ضعف الانزعاج من مثل هذه المشاهد؟ والانزعاج من مثلها دليل على استقامة الفطرة وصحتها!

تُدفَعُ المليارات لشراء أسلحة الفتك، ويألفها الجنود ويستأنس بتجهيزها وتلميعها القتَّالون الذين ينتظرون ساعة الأمر التي تمكِّنهم من مزاولة التسافل منتشين طَرِبين..

إنني وكلَّما تأملتُ الحالَ تعمَّق فهمي لأحاديث عن أهل بيت العصمة، ومنها قول الإمام الصادق (عليه السلام):

هلكت المحاضير.

فقيل له: وما المحاضير؟

فقال (عليه السلام): المستعجلون، ونجا المقربون، وثبت الحصن على أوتادها. كونوا أحلاس بيوتكم، فإن الغبرة على من أثارها. وإنهم لا يريدونكم بجائحة (شِدَّة) إلا أتاهم الله بشاغل، إلا من تَعَرَّضَ لهم.

اللهم بحق محمد وآل محمد، ثبتنا على ولاية وقيم وخلق وأصول وأدب محمد وآل محمد (صلواتك عليهم أجمعين).

 

السيد محمد علي العلوي

15 من ذي الحجة 1435 هجرية

10 أكتوبر 2014 ميادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *