الرئيسية / مقالات / ممارسة الإصلاح واستراتيجية المساحات

ممارسة الإصلاح واستراتيجية المساحات

قطع النزاع بمنع مقدماته.

من خلال هذا العنوان يتحرك السياسي حاكمًا ومحكومًا، ويتحرك عالم الدين، وعالم الاجتماع، والتربوي والاقتصادي، وغيرهم رافعين راية الإصلاح..

قد يكون تحرك الحاكم السياسي لمنع مقدمات النزاع بأن يفرض سيطرته بالقوة والقمع الشديد، والغاية تخويف الناس من مجرد التفكير في تجاوز إرادته، فالإصلاح بحسب قناعاته هو أن يبقى حاكمًا وإن تناحر الناس، فإن هذا التناحر سوف ينتهي بهم إلى التعب والإنهاك، فيعم الأمن والأمان!!

هذا مِثَالٌ سريع، لا أكثر، والذي أردتُّ بيانه هو إنَّ مسألةَ (الإصلاح)، مِثْلُها مِثْلُ القرآن الكريم، كُلٌّ يَجُرُّهُ لمصلحته الشخصية، فردية كانت أو حزبية أو كيانية أو ما نحو ذلك، والإنسان –على أية حال- مخلوقٌ ناطِقٌ يمتلك قدرةً هائِلةً على التبرير والتَّلَون الثقافي والفكري بحسب (الظروف).

نحتاجُ إلى مَخْرَجٍ نَسْلُكُهُ لِنسلَم مِنْ تلاطمات مُعْضِلَةِ (الإصلاح)، وإنَّه من شديد هوان الدنيا على الله تعالى أن يختلف بنو البشر في حَدِّ ما يُفترض أن يكون من المفاهيم السامية للإنسان، ولكنَّه هو الإنسان وإصراره على تضييع البوصلة!!

بشكل عام، فإنَّ المواجهة المباشرة تُولِّدُ ردود فعل مضادة، وإنْ غَلَبَ فيها من يرفعُ رايةَ الإصلاح، فهو أقرب إلى الانقلاب على إصلاحه، ليكون موضوعًا مستهدفًا لحركات (إصلاحية) متتابعة، وهكذا هي السلسلة يَسْرُدُها التارِيخُ ويُفلسِفُها عُلماؤه، والحال إنَّ إصلاحًا لم يَتَحَقَّق، وكُلَّما تقدمتْ العلومُ الإنسانية، كُلَّمَا استفاد منها قادةُ العالم في تعمِيقِ التَلبِيسِ على العَالمِينَ أكثر وأكثر.

  • قيدٌ استراتيجيٌّ مُهِمٌّ:

نحن في حاجة شديدة، إلى الإيمان التام بأنَّ التغيير الصحيح والمستقر لا يمكن أن يُنال إلا بتوفره على وقت زمني يتمكن فيه من ممارسة حِراكه الثقافي خلال جيل كامل (33 سنة)، فلا تغيير سوي الخِلقَة تُحقِّقُه حركةٌ صادِمَةٌ أو هيجان جماهيري متسارع.. هذا غير ممكن على الإطلاق، ولذلك تعيشُ البشريَّةُ حالاتٍ متقدمة ومتعاقبة من التشوهات الثقافية والإعاقات الفكرية التي أصبحت اليوم معايير السلامة والصحة!

ما عليه المجتمع، وفي جميع حالته، ليس إلا مجموعة من الثقافات تتحول إلى سلوكيات تُعرضُ على الموازين الصحيحة للصلاح والفساد، فيقال عنه صالحة أم فاسدة أن خليط من هذا وذاك، ومن الواضح –كما يبدو لي- إن الثقافة لا تحدُثُ بين ليلة وضحاها، فهي في الواقع تراكم لمفردات موضوعية يعيشها الإنسان بشكل من الأشكال حتى تتمكن منه وتبرز في (الأنا)، وهذه الأخيرة قد تكون فردًا وقد تكون مجتمعًا.

في كلا الحالتين، فالوجود الثقافي عصيٌّ جِدًّا على التغير بصورة مباشرة، ولذلك نجد صُنَّاع الثقافات يسيطرون على المجتمعات بطرق مختلفة غير مباشرة، ومن أهَمِّها الإعلام من أفلام ومسلسلات ومسرحيات وأغاني وما شابه..

إنَّنا اليوم، نعيشُ واقعًا خُطِّطَ له من خمسينات القرن المنصرم، وقد نفهم هذه الحقيقة بتتبع الأجواء الإعلامية والسياسية وانعطافاتها وترقِّيَاتها.   

إذن، لا (إصلاح) حقيقي في أقل من عمل على مستوى جيل كامل، وهو أقل ما يمكن.

وهذا مُتَعَذِّرٌ جِدًّا في حالات المواجهة المُباشِرَة؛ فالأطراف فيها تنشغل ببعضها البعض، ويَتَحَوَّلُ الإصلاحُ من أجل الإنسانية إلى شعارات تُسَوَّقُ مِنْ خِلالِها أفكارُ الحزب!

فلنتجنب المواجهة ما استطعنا، ولنحذر (الصقورية) في العمل الرسالي..

  • كيف نُحَقِّقُ الإصلاح؟

يَتَحَقَّقُ الإصلاحُ بمختلف مفرداته وفي مختلف ميادين الحياة، عندما تتمكَّنُ (الفضيلةُ) من الإنسان، ويحدِّدُ الإمام الرضا (عليه السلام) منهجية العمل، فيقول: “رحِمَ اللهُ عبدًا أحيا أمرنا”

فقيل له: “وكيف يحي أمركم”؟

فقال (عليه السلام): “يتعلَّمُ علومنا ويعلمها الناس، فإنَّ الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا”.

فالوظِيفَةُ الرسالية الأصل، إنَّما هي نشرُ الفضيلة.. تقريبها من العقول والقلوب.. الدعوة إليها..

التحدِّي الحقيقي إنَّما هو في مدى القدرة على توسيع مساحة (الفضيلة) في المجتمع.

عندما تقوى (الفضيلة) في الإنسان، وعندما يقوى الإنسان بها، فإن حالة من الإندماج التكاملي الرسالي تُولَدُ في أحسن تقويم، وكلَّما توالد هذا الخاص، كلَّما اتَّجَه الحال نحو تحقيق العام، وهو مجتمع (الفضيلة) الذي سوف يكون كبرى في القياس.. سوف يكون المعيار..

قد يقال:

ليس الأمر بهذه السهولة، فالشر موجود ويعمل بِقوَّةٍ برعاية شيطانية عالمية.

أقول:

وهذا ما أؤمن به تمامًا، وهو في الواقع ما يعطي العمل الرسالي طعمًا عنوانه (تَحَدِّي الحكماء)..

  • الحكيم يُفوِّتُ الفُرَصَ على الأشرار:

هناك من يمارس الاستفزاز ضِدَّ العباد وبشتى الطرق، ومن لا يتصدَّى منهم للرد، فإنَّه يُتَّهمُ بالجبن!!

الحَقُّ –في نظري- أنَّ الرَدَّ استهلاكٌ للقوى وتضييعٌ لفرص نشر (الفضيلة)، بل في الغالب –كما أرى- هو مقدِّمةٌ لصراع (الأنا)، ولذلك تَجِدُ الحكيمَ يتحمل تهمة الجبن، وربما يقال فيه سيء القول، ولكنَّه يتحمل في سبيل تفويت الفرصة على المعادي، ومن جِهةٍ أخرى فإنَّه لا يتوقف عن سعيه الجاد نحو نشر (الفضيلة) وتوسعة مساحتها.

الشَرُّ –أيُّها الأحِبَّة- كالنار.. تحرق من يقترب مِنها، وكلَّما حَرَقَتْ، كلَّما ازداد تأجُّجُها، ولَكِّنها تأكل بعضها فتخبو وتتحول رمادًا، إذا ما تُرِكتْ، وفي الوقت الذي تحرق فيه نفسها، فإنَّ الحكيم يعمل في شَقِّ الجداول وحرث الأرض ونثر البذور، وابتسامته تعلو محيَّاه مع كل ضرر تلحقه النار بجميل ما يصنع.. فإنَّه لا يتوقف.. لا يتوقف أبدًا، فهو مؤمن تمامًا بأن ما يصنع إنَّما هو بعين الله تعالى، ومن كان مع الله، كان الله معه (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ).

أمّا النار.. فلتحترق، وقد نستفيد منها قبسًا.. وربَّما كانت مصدرًا للدفء.. فلتحترق..

كلمة أخيرة..

عندما نتمكن من نشر (الفضيلة) في مساحة من عشرة أشخاص، وعندما يحمل هؤلاء العشرة روحًا رسالية واحدة، فلنمُتْ حينها والعين قريرة..

 

السيد محمد علي العلوي

9 صفر 1436 هجرية

2 ديسمبر 2014 ميلادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *