الحب

كثر الأخذ والرد حول مقالة كتبها السيد كامل الهاشمي في صفحته الخاصة على برنامج التواصل الاجتماعي (Instagram)، كان مدارها توجيه بعض حالات (الحب) بين الجنسين توجيهًا يجرِّدها من الشهوات الحيوانية (بل وحتى الإنسانية) –بحسب تعبير الكاتب-، بما يجعلها علاقة ملائكية قوامها الحب من أجل الحب، دون دخول أيِّ عنوان عارض على الإطلاق.

وقد وردتْ الكثير من التساؤلات من المؤمنين اقتضت أن نتصدَّى ولفيف من العلماء الأجلاء لكتابة ما يستدعيه الواجب الشرعي والثقافي.

يقع الكلام في محاور ثلاثة:

أولها: مسألة (الحبِّ) بين المؤمنين:

أمَّا الحبُّ، فهو حالة يتلبَّسها الإنسان نتيجة انفعالات داخلية تنتهي به إلى ميل في اتجاه معين، ولكِنَّ هذا الميل يرجع إلى جنس مقدِّماتها التي عبرنا عنها بالانفعالات الداخلية، فإن كانت شهوية أو عقلية فهو تابع لها، كما وإنَّ ما يعتري الإنسان من توجُّهات سلوكية ناظرةٍ إلى جهة الميل، فهي أيضًا تابعة لجنس الحبِّ وإن ظهرت في عناوين مغايرة.

ينبغي التنبُّه لهذه المسألة، وإلا فمحذور الوقوع في شِراك التداخل الدلالي هو في حقيقته وقوع في الغلط الاستدلالي، وما يهمنا في المقام هو الإلفات إلى أنَّ الحبَّ بين المؤمنين حبُّ عقلي ناظر إلى نوع شريحة المؤمنين بلا حيثية للجنس أصلًا، فالمؤمن يحب المؤمنين دون تشخيص للفرد الخارجي، وهذا شرط رئيس لنفي طروِّ عنوان آخر على عنوان الحبِّ النوعي.

نعم، فعندما نقرُّر علاقة الحبِّ بين رجل وامرأة ونرجعها للحبِّ النوعي، فهذا صحيح ثبوتًا، ولكنَّه في غاية الإشكال إثباتًا؛ والسبب هو دخول عنوان الميل الجنسي التكويني بين الذكر والأنثى، وكونه تكوينيًا يجعل نفيه مستحيلًا؛ إذ أنَّه تفكيك ما لا يقبل التفكيك.

ولذلك وردت النصوص الشرعية محرِّمة ومحذرة من الوقوع في شِراك العلاقات بين الجنسين خارج الإطار الشرعي، وقد قال تعالى (وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) للنساء، و(وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) للرجال، وقال الإمام الصادق (عليه السلام) عن آبائه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حديث المناهي: “ونُهي أن تتكلم المرأة عند غير زوجها وغير ذي محرم منها أكثر من خمس كلمات مما لا بدَّ لها منه”، وقال (صلى الله عليه وآله) في ما يميت القلب: “وكثرة مناقشة النساء –يعني محادثتهن-“، وغير ذلك من الأحاديث التي تحذِّر من الاختلاط بين الرجال والنساء، ومما يظهر أنَّ ذلك من باب منع المقدِّمة، وكيف تُمنع ويُجَوَّزُ ذيِّها!

ومن جِهة أخرى، فإنَّ عرض الرجل المتزوج والمرأة المتزوجة مشكلتهما على كاتب المقال دال بوضوح على خروج مشاعر الحبِّ بينهما عن إطار الحبِّ النوعي بين المؤمنين، وإلَّا فلو كان كذلك لما استوجب الاستشارة أصلًا، ولكِنَّ وقوعها كاشف عن وجود شِركة من الرجل ومثلها من المرأة، على اعتبار كونهما متزوِّجين –بحسب القِصَّة-. فتأمل جيِّدًا.

ولعمري أيُّ دليل أوضح من وجوب الحذر الشديد من تكوين أيِّ علاقة بين الرجال والمرأة خارج الإطار الشرعي من صريح قول سيدتنا الزهراء (عليها السلام): “ما من شيء خير للمرأة من أن لا ترى رجلًا ولا يراها”؟

فمسألة العلاقة بين الجنسين مسألة محسومة نقلًا وعقلًا، وهذا الأول قد تقدَّم جانب منه، وأمَّا الثاني فالإشارة إليه سابقة أيضًا، وذلك في تقرير الانجذاب التكويني الجنسي بين الرجل والمرأة، ويُقنَّنُ تكوينًا بين المحارم وتشريعًا بالزواج، وما دون ذلك فليس محلُّه دار النقائص.

ثانيها: مناقشة الاستدلال بالنص:

لسنا بصدد مناقشة البُعد السندي في الرواية التي استشهد بها الكاتب، وذلك لسعة البحث وعدم وقوفه عند مجهولية راو أو أكثر، فلو قلنا بصحَّتها فهي توجَّه أولًا بما تقتضيه الموافقة مع ما تقدَّم، ولو قَصُر الإمكان واضطررنا لتسليم آخر، فإن سلمان (رضوان الله تعالى عليه) ليس من أولي الإربة من الرجال، وهذا محلُّ إجماع، وقد صرَّح المرتضى (قُدِّس سِرُّه) في الشفاء بأنَّ أصحاب الأخبار قد رووا أنَّ سلمان الفارسي عاش ثلاثمأة خمسين سنة، وقال بعضهم: بل عاش أكثر من أربعمأة سنة، وقيل إنَّه أدرك عيسى (عليه السلام)، وقد قال تعالى (أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال).

فالرواية، وأيًّا كان حالها فهي لا تصلح على الأطلاق للاستدلال بها على المدَّعى.

ثالثها: البُعد الحِكَمي في الطرح:

إنَّنا لو سلمنا وتجاوزنا كُلَّ الهِنات، وقلنا بسلامة ما قاله الكاتب في مقاله، فالسؤال:

هل من الحِكمة طرح مثل هذه المواضيع في مجتمع يعيش العقلية التبريرية في أعلى مستوياتها؟

هل من الحِكمة إثارة مثل هذه الأفكار، والشهوات تنخر قيم المجتمع وتأكل في مبادئه؟

أوليس: ليس كل ما يُعرف يقال، ولا كل الحقيقة تقال؟ أوليس المرء في طيِّ لسانه، لا في طيلسانه؟

إنَّه لو لم يتصدَّى العلماء الأفاضل بالرد على المقالة المذكورة وعلى مستويات مختلفة، فإنَّها من أسهل الطرق لتبرير العلاقات المحرَّمة ووصفها بالملائكية وأنَّ الشهوانيين لا يفهمون قدسيَّة مثلها!!

إنَّ لهذا الطرح من الخطورة العظيمة ما يستدعي وقفات جادَّة لمراجعة الفكر وتحكيم العقل على ضوء قراءة تفصيلية للنصوص الشرعية والوقوف على الصورة الكاملة التي تبرزها عصمةً للبشرية من الضلال والوقوع في التِيه.  

 

السيد محمد علي العلوي

8 شعبان 1436 هجرية

27 مايو 2015م

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *