الرئيسية / مقالات / سَهْلَةٌ بَسيطَةٌ، ولكِنَّها سَمِجةٌ هَابِطَةٌ

سَهْلَةٌ بَسيطَةٌ، ولكِنَّها سَمِجةٌ هَابِطَةٌ

أفهمُ النقاشات والحوارات أنَّها أدمِغَةٌ تخرج عنها فكرةٌ أو مجموعة أفكار لتلتقي في عملية تنظيم وترتيب يتخللها نقدٌ ونقضٌ وتحالُفاتٌ وإخراجاتٌ في ما بينها، ثمَّ ننتهي إلى شيءٍ جديد، قد يكون فكرة مبلورة، وقد يكون غير ذلك، ولكِنَّ الأهمَّ في كل هذا، أنَّ إضعاف شخص الآخر أمرٌ خارِجٌ تمامًا عن عنوان المناقشة أو المحاورة، فسلوكية إضعاف الآخر فيها ما فيها من السوء وما من جنسه.

 

مجموعة من الألفاط يستعملها البعض وسواء قُصِدَتْ أم لا فإنَّها تُحدِثُ أذيَّة في نفس الشخص الآخر، وقد تصل هذه الأذيَّة إلى مستوى الكسر والهدم الذي قد يتجاوز حدودَ نفس الشخص فيصغر في عيون الآخرين أيضًا..

 

يتحاوران، فيسأل أحدُهما سؤالًا، فيُجيب الآخر، ولكِن ليس كما كان يريد السائل، فيكرِّر السؤال، وتتكرَّر الإجابة، ويبدأ السائل مشوار الاستنقاص..

 

لا تشرق وتغرب.. ركِّز في السؤال.. لم تجب، فقل بأنَّك لا تتمكن من الإجابة.. لا تخلط.. يبدو أنَّك ضعيف الاطلاع..

 

كل هذه الكلمات ومن المنظور العلمي لا موضوعية فيها، ولا يمكن أن تكون أكثر من إفرازات نفسية تريد تسجيل نقطة في ساحة نزال!

 

في بعض الحوارات رأيتُ استنقاصات سيِّئة من جهات لجهات أخرى، ويزيدها سوءًا أنَّها تُغَلَّف بعبارات الأخوة والصداقة والصحبة، فيشعر المتابع بأنَّه أمام طوفان من النفاق والكذب!!

 

لِمَ كلُّ هذا؟

 

سألتَ وتعتقد أنَّ الآخر لم يُجِب، فربَّما لم يكن سؤالك واضحًا، وربَّما أجاب ولكِنَّ الخلل في نفسيتك، وربَّما لا يريد الإجابة المباشرة، وقد يكون لا يريدها من أصل، وفي جميع الأحوال يكفي أن تعيد سؤالك مرة واحدة، وإجابته مرة واحدة، ثمَّ تنتقلان لنقطة أخرى أو تتحولان لموضوع آخر، وإلَّا ففنجان من القهوة وقبلة محبَّة وسلام.

 

أُسَجِّلُ في هذه السطور استيائي الشديد من التراجع المجتمعي في مجموعة من الأخلاقيِّات التي كان حريًّا أن نتميَّز بها عن غيرنا من المجتمعات، ولكِنَّ المؤسف والأكثر إيلامًا أنَّ هذه التراجعات تكبر وتتضخم بالتناغم مع النمو العلمي والمعرفي عند البعض (إن لم يكن الأكثر) من الوجوه التي كان من المفترض أن تكون وجوه إصلاح في المجتمع، وهذه العلاقة غريبة بالفعل إذا ما نظرنا إليها مجردة مقطوعة عن ظروفها الموضوعية، ولذلك أقول:

 

لاحظتُ بأنَّ هذا التناغم بين التراجع المشار إليه وبين التقدم على مدارج العلم والمعرفة يتحقَّق عند أولئك المتعصِّبين في انتماءاتهم الحزبية والفئوية والثقافية والفكرية، وكلَّما اشتدَّ التعصب كلَّما تضخمت التراجعات وتعاظمت معها القدرات على تبريرها وشرعنتها.

 

كانت إحدى الأخوات مولعة بالعمل التطوُّعي مع مجاميع متكاثرة من الشباب ذكورًا وإناثًا وفي حقل أخذ بالانتشار الكبير خلال الخمس سنوات الأخيرة، وقبل قرابة السنة بدأت الأخت بالانسحاب من تلك المجموعات التي برعت هي وأتقنت العمل في حقلها، وفي يومٍ أفصحتْ عن بعض ما دفعها إلى الانسحاب، وكان أنَّها صُدِمَتْ مما يدور بينهم ومناقضته الكبيرة لما هم عليه بين الناس، وأشارت إلى التدني الكبير الذي يعيشونه في أخلاقيات الحوار!

 

في تصوري أنَّ مجتمعنا اليوم يعيش مخاضًا أخلاقيًّا قيميًّا عسيرًا جِدًّا، فهناك من الشخصيات الوازنة وذات التاريخ العريض من العطاء والتضحيات، ولكِنَّها تمارس غطرسة لا شعورية ضدَّ الآخرين، وتتقنع بقناع تاريخها الطويل وتضحياتها العظيمة، وهناك فئة أخرى تحتمي بقوة التيار الذي تنتمي إليه، وبمجرد شعورها بخطورةٍ حواريَّةٍ فإنَّها تعمد إلى الضرب تحت الأحزمة وباحترافية كريهة، وعندنا أيضًا شريحة ثالثة تستهويها النظرة التشاؤمية، وتعيش حالة من الاستعداد الكبير للدفاع عنها ضدِّ أيِّ تفاؤل أو حتى خبر مفرح، ولذلك تجدها في أحايين كثيرة تذهب عريضًا في اتهام غيرها بعدم النضج وقِلَّة الفهم وما شابه.

 

أتخطَّر حادثة ظريفة، ففي إحدى المرات كنتُ أجالس أحد الأحبة وفي محضر مجموعة من الأصدقاء، وكان الحوار عن أمر أؤمن به ولا يؤمن به هو، وبمجرد بدء الحوار بادرني بالسؤال: هل قرأتَ الكتاب الفلاني؟ هل قرأتَ لفلان؟ هل تتبعتَ رؤى المدرسة الفلانية؟

 

أجبت: تفضل بطرح ما عندك (ويبدو أنَّه فهم عدم قراءتي للكتب والشخصيات والمدارس التي أشار إليها).

 

وحالما سمع مني هذا الجواب انبسط في جلسته وانطلق في حديثه بنفسية المالك بزمام الأمور.

 

هل أُخبِرُه الآن بأنَّني قرأتُ الكتب التي أشار إليها وعندي تعليقات خاصة على بعضها؟

 

هل من الجيد أن يظهر ضعيفًا بين الآخرين بعد أن يفهموا حجم المغالطات التي ساقها في حديثه ظانًّا عدم علمنا؟

 

كُلُّ ما في الأمر أنَّه أراد إضعافي بكيل مجموعة متوالية من الأسئلة.. هل قرأتَ؟ هل تابعتَ؟ هل وهل؟

 

وختم حديثه بقوله: من الجيد لو تقرأ قبل أن تدافع عن هذه الفكرة!

 

المشكلة كُلُّ المشكلة – في نظري – إنَّما هي في إرادة الغلبة، وهي وضع نفسي متراجع، والصحيح أن نُبعِدَ أنفسنا عن مثل هذه النفسانيات غير اللائقة، فالحِوارُ حالةٌ إنسانيَّةٌ حضاريَّةٌ لا زكاة لها إلَّا بزكاة الإنسان، وبالتالي فإنَّ واجب الواحد منَّا أن يعمل على تقوية الآخر لا إضعافه، ولكِنَّ هذا رهين الصدق في حُبِّ الإنسانية ولغة العقل.

 

 السيد محمد علي العلوي

11 يوليو 2015

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *