الرئيسية / مقالات / العلمُ والتكنولوجيا وعملياتُ الـ (Hacking)

العلمُ والتكنولوجيا وعملياتُ الـ (Hacking)

قرُبت المسافات، فلم تعد حاجةٌ إلى أيام وأسابيع حتى تصل رسالةٌ نصِّيةٌ من البحرين إلى أستراليا، فهي ليست إلَّا ضغطة زرٍّ فيقرأ ذاك البعيد ما للتو قد فرغتَ من كتابته، وفي لحظة أخرى قد يكون تحت نواظر الملايين، وليس ذلك إلَّا بضغطة جديدة أو بضع ضغطات.

هكذا اختصرت التكنولوجيا كلَّ مسافة زمنية في مجرد ضغطة واحد، وبطبيعة الحال فإنَّ هذه التطورات الهائلة جعلت روافد العلوم والمعارف والثقافات مفتوحة على بعضها البعض في صورة لا يمكن ضبطها ويستحيل السيطرة عليها، فلا تنفع عمليات الحظر ولا تجدي الرقابة مهما اشتدت.. وقست.

نحن اليوم نعيش عالمًا مفتوحًا بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وعبثًا يحاول البعض ضبط هذا الانفتاح، ولو تمكَّن أحدٌ في مرحلة معيَّنة، فهو موعوٌد بحتمية التسليم للواقع في مرحلة لاحقة؛ فضغط الوجود التكنلوجي وتطوره يخنق منافذ العبور لتحقيق معادلات الضبط والتوازن.

أنتج هذا التدفق الجبَّار للثقافات توجُّهات ذات سمات لا أراها صحيحة، أذكر منها:

  • تراجع القيمة العلمية:

كان طلَّاب العلم في العصور المتقدِّمة يقطعون المفاوِز طلبًا للعلم، بل طلبًا لحديث أو نظريَّة أو كتاب يحتاج إلى ترجمة، فكانت المعارفُ عزيزةً، وطلَّابها أجلاء، والمحافظةُ عليها دِينًا يدِين به الساعون المجدُّون في طلبه.

ولا ننسى كيف كانت العلاقة العلميَّة بين التلميذ وأستاذة، فهذا الأخير مقصودُ الطالبين، يجثون تحت كرسي درسه ويقبِّلون الأرض التي يمشي عليها، لا لكونه أستاذًا، ولكن لكونه مربِّيًا عالمًا صادِقًا، مقدِّسًا للعلم والمعرفة، ولذلك فإنَّه لا يثبت على خطِّ علمه غيرُ الجادِّين المشمِّرين عن سواعد العزم والبذل.. فكان للعلم لذَّةٌ خاصَّةٌ ومذاقٌ زكي.

كانت المكتبات تُقصد، والمال يُبذَلُ ثمنًا لكتاب، واشتهر بين القرّاء كتابةُ بعض المعلومات على الصفحة الأولى، مثل: الاسم، تاريخ الشراء، المصدر.. ثُمَّ إنَّه يسجِّل تاريخ البدء في قراءته، وبعد حين تاريخ الانتهاء.

كان الكتاب شيئًا مميَّزًا، وكان القارئُ أكثر تميُّزًا بين الناس، فهو –مثلًا- لا يتأثَّر بكلِّ شاردة وواردة، ولا يعطي رأيًا مالم يكن راسخًا في مقدَّماته، وغير ذلك.

يعتقد البعضُ أنَّ الراحة ميِّزة، والتعبَ معيبة!

ليس الأمر على إطلاقه، وما أراه هو أنَّ التعب في طلب العلم نعمةٌ تستوجب الحمد، وهذا لا يعني إنكار الفائدة من التحصيل العلمي عن راحةٍ مقارنةً بالأزمنة الماضية، ولكنَّ الذي أراه أكيدًا هو أنَّ الصياغة العلمية في شخصية الطالب متراجعة غالبًا عن مثلها في تلك الأزمنة.

كان القاصد في السابق مشرِفًا على المادة العلميَّة التي يريد تحصيلها، ولن يتوقَّف في الغالب على عنوان مُلتقط أو مسألة مُنتَّقاة، وهذا على خلاف اليوم، فالإنسان لا يُنتَّظر منه أن يكون طالبَ علمٍ؛ فالعلمُ نفسُه يقصده في صور مختلفة وتلاوين متعدِّدة من مقالة إلى فقرة، ومن نكتة إلى مشهد مرئي لا يتجاوز الدقيقتين، وكلُّها تُشكِّل مُرَكَّبًا علميًّا تصاغ بِحَسَبِه الشخصيات وبسهولة فائقة.

ما أعتقده، هو أنَّ التكنولوجيا من المفترض أن تكونَ أداةً مساعِدَةً، لا أداة أصلٍ، وبذلك يكون أثرها على الوقت وبالمستوى المعقول، ومثال ذلك عندما أبحث في رواة حديث معيَّن، فإنني ألجأ لبرنامج إلكتروني يعينني على تحديد مصدر البحث، وبالرغم من وجود المعلومات المطلوبة على مسافة ضغطة زرٍّ لا أكثر، إلَّا أنَّني انتقل من الجهاز إلى المكتبة لأبحث عن المصدر والتقطه ثُمَّ أقلِّبُ صفحاته بحثًا عن المطلوب لأستلّه وأكتبه في ورقة خاصَّة بخطِّ يدي..

يطول الوقت بعض الشيء، ولكنَّ المعلومة تُحصَّل في ذهني بشكل مختلف فيه الكثير من الثبات والرسوخ، وهذا ناهيك عن مجموعة من الفوائد أكتسبها وأنا على طريق بذل الجهد (اليدوي).

  • الإرباك العلمي:

القراءة حالةٌ راقيةٌ متقدِّمةٌ في رقيِّها، ويظهر ذلك في التتبعات والإرجاعات التي يسلكها القارئ مع الكتاب الواحد، ومن أمثلة ذلك القراءة في كتاب أوَّلي عن علم السياسة، حينما ينتقل القارئ إلى كتاب آخر يوضِّح فكرة أو مطلبًا يناقشه الكتاب الأول، وهكذا يتوسَّع في عمق الكتاب بشكل أفقي في كتب أخرى، فتتشكل عنده منظومة المعارف فسيفساء رائعة راقية.

هذا الأمر يصعب مع الأجهزة الإلكترونية؛ حيث الانفتاح الكامل على كلِّ محتمل وفي كلِّ لحظة، فقد ترد على الذهن عشراتٌ من الصور العلمية غير المترابطة أصلًا، وقد يحدث توسَّع قاصر مع كلِّ صورة، فيخرج طالب العلم من هذه الأجواء متعبًا ويظن أنَّه قد أحرز شيئًا ذَا قيمة، والواقع أنَّه قد أحرز القليل وأربك ذهنه بالكثير.

  • حقارة الـ (hacking):

موقع إلكتروني محمَّلٌ بكنوز من العلوم والمعارف، وفي لحظة يسطو عليه مريضٌ ذو نفسية مظلمة وقلب مختوم، فيخترقه ويسدُّ الأبواب أمام العشرات والمئات، وربَّما الآلاف وأكثر من طلَّاب العلم والباحثين، ولا يبعد أن يكون بفعلته القذرة قد أضاع جهودًا من الصعب إعادة إنتَّاجها، وكلُّ ذلك لأنَّه على مذهب مختلف أو مدرسة فكريَّة أخرى.. أو رُبَّما مجرد عابث!

تجاوز الأمر تلك المواقع، ووصل إلى صفحات الصور والمقاطع المرئية، فهي تتعرض لحملات اختراق تضيع معها آلاف الصور من بين أيدي المتابعين ومتابعي المتابعين.

آهات وحسرات تتبع عمليات الاختراق وحوادث التلوث بالفيروسات وما شابه ذلك من انهيارات تكنولوجية تتبعها انهيارات في الجهود المنتِّجة للمواد العلمية.

قد يقال بجدوائية النَسخ الاحتياطي، وهذا صحيح، غير إنَّ الصورة الإجمالية العامَّة ترجح كفَّة الأوراق كأصل يُعان بالتكنولوجيا وأدواتها.

التكنولوجيا مطلوبة، وينبغي السعي لتطويرها دائمًا، ولكنَّ المهم هو إتقان الحكمة في إدارتها، وتجنُّب التهاون في آثارها الثقافية بشكل عام، وعلينا أيضًا الحذر من التفريط بأدواتنا المعرفية الأصيلة، ثُمَّ التأكيد على جعل التكنولوجيا في خدمتها على طول الخط، فالأدوات الأصيلة لها اتِّصالها العضوي بنفس الإنسان.

السيد محمد علي العلوي

8 أغسطس 2015 ميلادية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *