الرئيسية / مقالات / إشراقات من بين فرث ودم

إشراقات من بين فرث ودم

  • يقول خبراءٌ في كرة القدم بأنه وبالرغم من صغر سنه (16 سنة) إلا أن مهاراته في اللعبة تتجاوز مهارات كبارها من اللاعبين المتمرسين، وكذلك يقول مدرسوه عن مستواه العلمي ودرجته الأكاديمية التي يكاد أن يتجاوز بها بعضًا منهم. أما في عالم الساحرة المستديرة فيضمن بعض سماسرة اللاعبين بأن صاحبنا قد يصل دخله الشهري في غضون سنتين إلى ما لا يقل على النصف مليون دولار أمريكي (غير مزور)، وهذا ما لا يضمن أصحاب الشهادات الجامعية حتى عشر معشاره.

في يوم اثنين مشرق بشمس الثقة والثبات دخل شابنا العبقري على مدير مدرسته مرفوع الهامة شامخ الطلعة ليخبره مفتخرًا عن عدم تقدمه بالأمس لامتحان رياضي في كرة القدم يؤهله للاحتراف في أحد أكبر الأندية العالمية مقابل عشرات الملايين من الدولارات. فز مدير المدرسة من على كرسيه مذهولًا وقد تجاوز فمه مساحة وجهه عندما فتحه مستنكرًا الأمر على تلميذه.. ولكن الأخير أجاب بنبرة المنتصر: نحن على أبواب الامتحانات النهائية، وأنا لست على استعداد لتضييع مجهودي الفكري من أجل أموال لا يمكنها أن تمنحني كرامة العلم والإيمان بقضية المعرفة..!!

  • عِرِّيسٌ (مثل القمر) لا تفارق الابتسامة وجهه الجميل فهو ينافس عروسته في جمالها الذي أركع شباب ورجال.. بل وحتى عواجيز.. لم يمر على زواجهما أكثر من شهر عندما طلبت الطلاق بل وأصرت عليه إصرارًا غريبًا!! لماذا؟

زوجها (اللي مثل اقمر) تاجر ذهب ويملك ما يملك من عقارات وغيرها في داخل البلد وخارجه، كما أن أخلاقه لا تعاب وحلاوة لسانه لا تقارع.. لماذا هي مصرة على الطلاق إذًا؟

قالت بثقة وعزة وإباء: أنا أعيش الحياة قضية أؤمن بمداخلها ومخارجها ولا أشعر بذاتي الإنسانية إلا وأنا أشارك أهلها الاعتبار من الأمس وصيانة اليوم وصناعة الغد، أما هو فهمه الوحيد الهروب من قضية الحياة بالأفلام والسينامات والمسرحيات والحديث في أي شيء إلا قضيتنا الكبرى.. قضية الحياة.. إنني لا أريده زوجًا، ويكفي عليه أن يحافظ على موميائيته حيًا وميتًا..!!

  • جلس تسعيني في مقابل عشريني وبينهما رقعة شطرنج لم يبقى إلا أن يتحدث عنها كتاب سماوي من جمالها وجودتها.. إنها حقًا رائعة..

ثالث واقف بصدر قد غطى وجهه.. إنه الحاكم على الرقعة.. قال: سوف اعطيكما كل شيء.. تلعبان كما تريدان.. وتنامان وقتما تتعبان أو.. لا تتعبان.. وسوف أتيح لكما الالتحاق المجاني بدراسات في فنون اللعبة، وسوف أهيئ لكما وسادات من ريش نعام.. أما عن الجنس فلا تديران بالًا (ورأسي يشم الهواء).. لن تفقدا شيئًا أبدًا.. كما ولكما الحق في إدراة الرقعة واستضافة لاعبين و(طرد) آخرين.. أريد منكما أن الوثوق بأنكما السادة هنا..

طار العشريني فرحًا كاد منه أن يمشي على (ظهره) رافعًا للأعلى رجليه.. أما التسعيني فما زالت عيناه تلاحق نسيمات على سطح رقعة الشطرنج تروح.. وتجيء..

في لحظة وقف صاحب الفضل والمنة فقال: وحتى نبقى نحافظ جميعنا على هذا الهناء الذي نعيشه فإن مخالفة القوانين أو محاولة المساس بقدسية الرقعة سوف تواجه بقانون تعطيل القوانين إلا قانون ضبط أحجار الشطرنج، وهو قانون ممنوع على غيري..

تظاهر العشريني بأنه لم يسمع بقانون استباحة القانون وظل في فرحته مستطيرًا.. نظر التسعيني إليه نظرة أعقبتها بصقة، وبصقة أعقبها إدبارٌ عن رقعة الشطرنج وهو يقول: وصيتي أن لا أدفن حتى أموت، وإذا متُّ فابحثوا أمر دفني..!!

  • سقط طفلان من على طاولة الطعام في بيتين مختلفين..

البيت الأول: جاء الأب للأم مبتسمًا وقال: حبيبتي.. ينبغي لنا الذهاب إلى المستشفى فإبننا وقع من على الطاولة كما يقع الأطفال عادة وأريد فقط التأكد من أنه جيد ولم يصب بسوء.. قامت الأم لتحتضن طفلها وترافق زوجها معه للمستشفى..

الحمد لله فكل شيء على ما يرام..

البيت الثاني: صرخ الأب صرخة اهتزت لها جدران البيت وهو يقول: واويلااااااااااااااااه.. سقط الولد من على الطاااااولة..

سمعت الأم صرخة الأب فوقعت ميتة بسكتة قلبية.. أما الطفل فلم يصب بشيء، ولكنه تعلم من صغره أن يعطي كل شيء حجمه الطبيعي بل ويجتهد في تبسيط الأمور والتعامل معها بجدية متعقلة حتى لو كان ظاهرها كارثيًا، فكارثة فقدان الأم أكبر..

  • ذهبت بهم الظنون.. فالأب والأم يبحثان الحالة النفسية المتردية التي وصل إليها ابنهما الذي لا يتحدث إلا عن أناس إما تفصلهم عنه عقود وقرون أو أميال وفراسخ..!!

يخرج من غرفته مسرورًا ليبشر أمه بأنه كان في جلسة مطولة مع أرسطو وقد تباحث معه في بعض المعضلات الفلسفية واتفقا أن يمرا غدًا على الشيخ الرئيس أبي علي سينا لتوسعة دائرة البحث.. ومرة يقبل على أبيه مخبرًا عن جولته في إحدى الحدائق طه حسين، وأخرى يعرض على بعض الأصدقاء مرافقته إلى مكتب الدكتور علي شريعتي للاستفسار منه عن بعض قضاياه المثارة..

يا إلهي، لقد جُنَّ الولد..!!

فجأة وفي سابقة خطيرة جدًا نطقت جدران البيت في حالة من الغضب وهي تقول: أنتما المجنونان.. ولدكما له لقاءات يومية مع أكابر العلماء والمثقفين والمفكرين، وعندما حال بينه وبينهم المكان أو الزمان فهو يلتقيهم عبر كتبهم ومصنفاتهم.. إنها بساتين العقلاء يا حمقى.

 

السيد محمد علي العلوي

28  ربيع الثاني 1432هـ

2 إبريل 2011م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *