الرئيسية / مقالات / الطلاقُ حلٌّ.. وهنا لا طلاق!

الطلاقُ حلٌّ.. وهنا لا طلاق!

قال الله سبحانه وتعالى (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)، فإذا وصلت الحيَاةُ الزوجيَّةُ بينهما إلى طريق مسدود، فتح الشارِعُ المقدَّسُ أمامهما حلًّا صعبًا، غير إنَّه من الممكن أن يكون أفقًا جميلًا نحو حياة أفضل، وقد نجحت الكثير من التجارب التي انتقل الأزواج فيها من ضيق المشاكل إلى سعة النضج ورحابة الحياة.

تتضاءلُ فرصُ التفاهم بينهما.. تضمحل مساحات الالتقاء، فيأتي الانفصال حلًّا ممكِنًا يبعثُ الحياة فيهما من جديد..

هذا بين الزوجين، ولكن..

ماذا عسانا أن نفعل إذا كانت مصلحة الابن في فصله عن والديه أو أحدهما؟

ماذا عسانا أن نفعل إذا كان الوالدان أو أحدهما سببًا مباشرًا في الفتك بالابن ثقافيًا أو نفسيًا؟

يتصرَّف بعضُ الآباء مع أبنائهم بطريقة مزعجة تبعث على الاستغراب، وكأن هذا الابن محلًّا للتنفيس وتفريغ المتاعب!

تحدَّثتُ عن هذا الموضوع مرارًا في مقالات ومحاضرات سابقة، ولكنَّ الأمر في الواقع يحتاج إلى هبَّة توعويَّة منظَّمة، لعلَّها تستنقذ أبناءنا من ظلم واستبداد الآباء الذين ذهب بهم علو المرتبة في بحرٍ من السُكر، ففقدوا الإحساس بطبيعة نظرة الأبناء إليهم..

يسكتون ولا يردُّون، لا لشيء غير الضعف وطبيعة المقام، ولو لا ذلك لتخلَّصوا منكم وهجَّوا يسعون في مناكبها.

هؤلاء الأطفال أمانة أودعها الله تعالى الآباء، وأمرهم بالإحسان إليهم تربويًّا وعاطفيًّا وثقافيًّا وفكريًّا، فمسألة الانجَّاب مسألة في غاية الخطورة، وليست مجرَّد ساعة لذَّة تقضى، ثُمَّ حملٍ وولادةٍ وهدايا وعقيقة وأهلًا بأبي فلان وأمِّ علَّان.

عندما يرزقك اللهُ تعالى مولودًا، فهو في الواقع قد ربط جانبًا من مستقبل الإنسانية بك أنتَّ؛ فلربَّما كان هذا المولود عالمًا كبيرًا يغير وجه التاريخ، وربَّما كان مجرمًا خطيرًا يغير وجه التاريخ أيضًا، وهذا متوقِّف في أهمِّ أبعاده عليك أنتَّ وتربيتك له.

دعوني أذكر بعض المشاهد المؤسفة..

لو أنَّنا نلاحظ أطفالنا في الروضة والصفوف الابتدائية الأولى، نجدهم في الغالب متفوِّقين مقبلين على الدراسة سعداء بالدرس، ولكنَّ الصورة تنقلب مع مرور الأيَّام حتَّى يُصبح أمرهم في المدرسة علقمًا لا تتوقَّف مرراته، والأمرُّ من ذلك أنَّ الآباء لا يتوقَّفون عن لوم الأبناء والتشديد عليهم وإيلام قلوبهم بعبارات التقريع والتوبيخ، ولكِنَّهم لا يفكرون في أسباب تلك الانعطافات التراجعية في سلوك أبنائهم!

يحتاج الطفل إلى مزاج خاص في تربيته وتعليمه وتدريسه.. يحتاج إلى صدر واسع وبال طويل يمتدُّ إلى سنوات، وهذا من أهمِّ محاور التربية الصالحة التي قسَّمها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) سبعًا سبعًا.

في أعجب وأغرب المشاهد، ترى الأبوين أو أحدهما يصرِّح بكل وضوح بأنَّه لا يمتلك مِزاجًا وبالًا لما يسميه (حجايج) الأولاد!

طيب..

لِمَ أنجَّبت يا أخ؟

ولِمَ تكرِّر أنانيتك وتنجِّب ثانيَةً؟

إن كنت ضيِّق الصدر، فاكفنا شرَّك واعقم.

أمُّ تريد نهي طفلها عن الصراخ، فتصرخ عليه!!

بالله عليكم، كيف لي أن أفهم هذا السلوك؟ كيف أتمكَّن من تفسيره بغير أنانيَّة سيطرت عليها فصدَّرتها صراخًا على رأس طفلها؟

نعم، لو كانت تريد تربيته لأفهمته لمرة ومرتين وألف، بأنَّ الصراخ عيب ولا يصحُّ من الأولاد المؤدَّبين، ولكنَّ الواقع أنَّها انزعجت من صراخه كانزعاجها من صوت المثقاب الكهربائي مثلًا، فأرادت (سدَّ حلقه) فأذهلته بصرخة مضادَّة سرعان ما سوف تتحول سلوكًا فيه.

تبوَّل في فراشه..

يُعنَّف ويُقرَّع ويُهدَّد بالفضح أمام خالاته وعمَّاته وأقرانه إن هو فعلها ثانية!!

لو كان تبوله في المرَّة الأولى بسبب أمر نفسي أو ما شابه، ثمَّ إنَّه لم يكرِّها ثانيَّة بسبب الصراخ والتهديد، فالأرجح أنَّ ذلك لعقدة نفسية جديدة أوقفت منه التبول في الفراش من جهة، وأطلقته في سلوكيات نفسية مَرَضِيَّةٍ من جهة أخرى..

ابتدأ مشوارُ حَلِّ الواجبات اليومية، ومن ضمنها تلوين رسمة لولد وشجرة، فلوَّن الولدَ وجعل عينيه ورديتين، ولوَّن الشجرةَ باللون الأسود، وإذا بها تهينه وتُسخِّف ذوقه، هذا والحال أنَّه قد لم يُدرِك معنى الألوان بعد، وقد يكون قاصدًا لرسالة معيَّنة من انتخابه الوردي للعين والأسود للشجرة، وقد تكون أمور أخرى نحتاج إلى قراءتها بدقَّة، ولكِنَّها سحقت كلَّ جميل فيه وانتهت القضية بإشباعها لشهواتها الأنانية.

ونفس المشكلة تتكرَّر عندما يختار الطفل لنفسه قميصًا أحمرًا وبنطالًا بنفسجيًّا مثلًا، فإنَّه يتعرض للاستهزاء والاستخفاف بذوقه!

التربية أمرٌ خطير، والأولاد ليسوا من بقية أملاك الآباء، ولكِنَّهم أمانات عظيمة وودائع إلهية سوف يُسأل المُستَودَعونَ عنها عمَّا قريب، ويومها فالحساب عسير، والجزاء مخيف.

 

السيد محمد علي العلوي

10 أكتوبر 2015 ميلادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *