الرئيسية / مقالات / “صبحت بخير عزيزم.. واحدة، والضريح.. ثانية”

“صبحت بخير عزيزم.. واحدة، والضريح.. ثانية”

هذه كلِمَةُ الأمِّ الفارسية وهي توقِظُ إبنها صباحًا..

صباحك الخير عزيزي..

كما وتحرص أن لا يراها زوجها إلَّا وهي في زينتها وكأنَّها ذاهبة إلى حفلة أو ما شابه..

هذا جو غالِبٌ في إيران، ولست معنيًا هنا برصد السلبيات والإيجابيات في المجتمع الإيراني، ولكِنَّني أُلفِتُ إلى ما لفتَ إنتباهي وأنا أتتبع مواضيع الحضارة الفارسية وثقافاتها.

توصَّلتُ إلى تميُّز المجتمع الفارسي بأدب رفيع في التعامل الداخلي، وخصوصًا على مستوى الأسرة والعائلة، وهذا يكشف عن واقع أدبي له جذوره الثقافية التي تتجلّى بوضوح في حاضر الإيرانيين اليوم.. حاضرهم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، والعلمي بشكل عام.

يأكلون بالملعقة، وفي الغالب لن تسمع صوتًا، ولن ترى زائدًا من طعام أو ماشابه، ولكن الذي سوف يلفت انتباهك أدبهم الكبير على سفرة الطعام، والأكبر عندَّما تريد الأم تأديب طفلها..

ابني.. حبيبي.. عزيز قلبي.. هذا الذي فعلته ليس بصحيح، وأملي أن لا أراه منك ثانية..

تكرِّر معه نفس الأسلوب عندَّما يُكرِّر نفس الخطأ، ولا تتعب حتى لو احتاجت إلى قليل من الحزم، فالأهمُّ عندَّها هو إظهار حبها لطفلها في جميع الحالات..

إنَّه جانب مُهِمٌّ من مُقوِّمات الحضارة والتمدُّن في الجمهورية الإسلامية في إيران، يظهر الضِدُّ معه شاذًّا مُشخَّص الشذوذ، ولذلك فإنَّ النهضة التي تعيشها مثل هذه الدولة ليست نهضة دولة أو نظام حكم أو ماشابه، ولكِنَّها نضهة مجتمع يُجَسِّد خلفيَّة ثقافيَّة ناهضة بطبيعتها.

يتكَرَّر هذا المشهد في اليابان وبعض المجتمعات الأوربية، وكذلك الهندية، ولكنَّه يتراجع بقوة في مجتمعات أخرى، قد تكون متقدِّمة في سياساتها واقتصادياتها، ولكنَّها أبعد ما تكون عن عنوان الحضارة؛ وهي التقدُّم الثقافي والمدني معًا، ولا تتم الثقافة إلَّا بتحقق مفرداتها من أخلاق وفنون وسياسة واقتصاد وما نحو ذلك، بشرط أن تكون من نتاجها الخاص وبصبغتها الخاصة، وهذا لا يعني ممنوعية استيراد شيء منها، ولكنَّها تأبى التحقق ما لم يكون المستورد موافقًا لأصولها وأدبياتها.

عندَّما يضجُّ مجتمعٌ بحركة استيرادات هائلة لثقافات وسلوكيات من دول ومجتمعات مختلفة، دون أدنى نظر لقواعد القياس المُحدِّدة للقبول أو الرفض أو التوقف، فإنَّ هذا المجتمع لا يمكن أن يحقِّق حضارة في يوم ما، ما لم يرجع إلى رشده ويحترم ذاته.

ما أعتقده، أنَّنا نعاني تراجعًا خطيرًا في فهم أهميَّة الرجوع إلى الأصول  الثقافية الممتزجة بطبعتنا الإنسانية والجغرافية والمناخية والعقيدية والدينية والتراثية، ومن وجهة سوسيولوجية فإنَّه لا يقدَّم أصل على آخر عندما يريد مجتمعٌ بناء نفسه بناءً صحيحًا منتِّجًا، ومن هذا المنطلق، أطرح مثالًا حيًّا يستصغره كثيرون، ولكِنَّه في الواقع شديد الأهميَّة، ورجائي من القارئ الكريم التفضُّل بفهمٍ صحيح..

هناك بعض القاضايا المنسوبة ابتداءً للدين، ولكِنَّها بعد حين تحوَّلت إلى محور تدور حوله ثقافة معيَّنة قامت عليها أجيال في بُعدٍ من أبعادها المعلمية، ومثال ذلك ضريح لأحد الأولياء يزوره الناس دون انقطاع ويرونه محلًّا للنذور وقضاء الحوائج، وبالفعل انتشرت الكثير من المقصص المؤيِّدة..

فجأة، ونتيجة لبعض التحقيقات توصلوا إلى عدم صحَّة القضية من أصل، وأنَّه لا وجود لضريح هنا، بل لا وجود لشخصية بهذا الاسم المُشتَهِر!

إنَّني هنا أشير إلى البعد الثقافي تحديدًا، ولا تُعنيني الأبعاد الأخرى التي قد تكون غاية في الأهمية..

اكتسب هذا المكان بُعدًا معلميًا من جهة، وأبعادًا ثقافية من جهة أخرى، وليس من الصحيح تجاوز البحث العلمي إلى ترويجات وإجراءات مضادَّة لمعلمية المكان وصياغته لثقافة الناس، والتهاون في هذا الأمر يُعدُّ خرقًا لموازين مقومات التحضُّر.

ومثل هذا الأمر، هناك بعض الممارسات المجتمعية التي تحاكي أجواءً ثقافية تاريخية معينة، ولكِنَّها غير واقعية في حكايتها لا في محاكاتها، وبالرغم من ذلك فقد تشكَّلت واقعًا ثقافيًا كذاك الضريح، وبالتالي فإنَّ المحافظة عليها واجبٌ حضاريٌّ لا ينبغي التفريط فيه.

لا يعني ذلك أن يسكتَ العِلمُ عن كلِّ ما يلبس شأنيَّةً معلميَّةً ثقافيَّةً في المجتمع، ولكِنَّه يعني ضرورة التريث في معالجة الأمور، والتي قد لا تكون بعضُها أدواءً من أصل.. فلننتَّبه جيِّدًا.

كلِمَةٌ:

تتمسَّكُ المجتمعات الحضارية بأساطيرها، ولا تسمح بالاقتراب منها، بل وتحارب وتقاتل وتبذل الغالي والنفيس من أجل صيانتها والمحافظة عليها، وهي بالنسبة لكثيرين ليست أكثر من أساطير دوَّنها حالمون..

أقول: بل هي كنزٌ من كنوز الحضارة.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *