الرئيسية / مقالات / النقدُ.. غايةٌ أم وسيلة؟

النقدُ.. غايةٌ أم وسيلة؟

هل النقدُ مفهومٌ نحتاجه على طريق البناء وصيانة البناء؟

أم هو متنفَّسٌ في أحوالٍ، وأداة لضرب الآخر في أحوال أخرى؟

ما نسمعه كثيرًا هو أن (النقد) حالة صحيَّة يكون فيها الحديث عن خطأ ما لغاية التصحيح والإصلاح، ومن هذا المنطلق انتشرت وتكاثرت وتوسَّعت المساحاتُ التي يكون فيها الكلام (الناقد) لونًا وعنوانًا للمتكلِّم وزاويةِ نظرِه لموضوعٍ يراه أو يرى فيه ما يستحق (النقد).

في الغالب، وبحسب ما نلاحظه، لا يمارِسُ الداخِلُ (نقدًا) لداخله، ولكِنَّه يظهر بكامل قوَّته في (نقد) الآخر المقابل أو المُزاحِم له، وهذا الأخير يتلقى (النقد) هجمةً تريد النيل منه وإضعافه وعدَّ النقاط عليه، وبالتالي فهو يُبرز أسلحةِ الردِّ بمختلف أنواعها ومستوياتها، وعلى إثر هذه الدورة الأولى يتَّخذ (الفاعل الأول) رَدَّ (الثاني) ذريعة لاتِّهامه بعدم تقبل النقد والرأي الآخر، فيقوم الثاني بدفع التهمة عن طريق عنوَنَةِ ما ادَّعاه الأولُ نقدًا بعناوين أخرى من قبيل الهجوم وسوء الأدب وإرادة التسقيط وما نحو ذلك، فتكتمل الدورة الثانية لتعقبها ثالثة ورابعة وخامسة.. وكلها تحت مسمى (النقد) وتهمة (التسقيط)!

من الصعب تحديد بداية الخطأ في عملية (النقد) المنتشرة اليوم وكأنَّها موضة عصرية يريد المجتمعُ من خلالها إثبات مدنية وتحضُّره، وسبب الصعوبة هو الاصطباغ العميق للنقد بألوان التهمة وتبادلها بين مختلف الأطراف، ولذلك فإنَّني لن أعطي المزيد من الوقت لمحاولات تشخيص محلِّ الخطأ.

(النقد) في اللغة هو الإبراز والإظهار والكشف، وإذا ما قلنا: إبراز، فهذا يعني طلب البروز لما يحتاج إلى إبراز، وهكذا بالنسبة للإظهار والكشف، وبالتالي فالنقد ليس مناقشة فعل بين قابل له ورافض، ولكِنَّه إظهارُ مُفرَدَةِ في نفس الفعل وحملها على افتراض النفي لتصحيح الفعل وإصلاحه، وقد يكون هذا العمل متعذِّرًا على غير المحيط بالفعل علمًا واستيعابًا له ولظروفه وما يرتبط به من أطراف، فالنقد بذلك نتاجٌ للمعرفة ومظهر من مظاهر التمكُّن العلمي.

ليس (النقد) إعابة الشيء، ولكِنَّه إبراز ما يفترض أن يكون عيبًا بالفعل، وهذا بعيد ما لم يكن الناقد متجرِّدًا عن ألوان المقابلة ونفسياتها، وهو ما يبدو أنَّنا نفتقر إليه غالبًا.

العمل (النقدي) أشبه ما يكون بعملية تنظيف محيط الجرح أو الدمل أو ما شابه، لإبرازه مقدمةً لتطهيره ثُمَّ معالجته أو استئصاله، وإن كان الأمر من هذا القبيل، فالنقد المُثمِر هو ذاك الذي تراعى فيه موازين الرفق والعناية والحذر من تحويل محلِّ النقد من مساحة محصورة إلى أخرى واسعة يصعب مواجهتها، كما ومن المهم الانتىباه إلى أنَّ طبيعة المتلقي للنقد تُحدِثُ عنده حالة من الألم؛ فالارتباط بينه وبين ما يتبنى من مواضيع ارتباطًا يقرُبُ من العضوية، ولذلك فإنَّ ما يشعر به من ألم أمر طبيعي لا ينبغي التحسُّس منه، ولكن ليس من الصحيح أيضًا التفاعل الإيجابي معه بما يقدم إلى قلبه رفضًا وصدًّا.

لو كنَّا نمتلك ثقافةً نقديةً ناضجةً صحيحةّ، لشهدنا وعشنا خطوات ثابتة نحو التكامل وتحقيق الانجازات على مختلف المستويات؛ فالثقافة النقدية الصحيحة تعني ممارسة التحليل الموضوعي لإبراز مواضع الخلل مقدمةً للتصحيح والإصلاح في أجواء هادئة يسودها التفاهم والتطلع الدائم للتكامل مع الآخر وانتاج فكر جديد.

لسنا في حاجة إلى البحث عن ما يُثبت ضعفَ وجودِ هذا النوع المتقدِّم من النقد، فالأمر –في تصوري- أكثر وضوحًا من أن يُنكر، ولكِنَّ المشكلة التي نعيشها بالفعل هي انتشار عنوان (النقد) في كل مكان تقريبًا، حتى في اسطبلات الخيول وحضائر الماشية والدواجن!

ليس بخاف على أحد، أنَّ مع كُلِّ موجة (نقدٍ)، تلوحُ في الأفق انقساماتٌ وانسحاباتٌ جديدة، فالزعل واتخاذ المواقف الحادَّة أصبحت من المعلولات الطبيعية للنقد، وذلك –كما أرى- لأنَّ ما يُسمَّى (نقدًا)، وما يظنُّه الكثيرون (نقدًا)، هو ليس إلَّا هجمات ابتدائية وأخرى ارتدادية تبعثها حالات نفسية ضيقة تعتبر مجرَّد عنوان (النقد) مُصحِّحًا لما يقوم به من إساءات يراها، وتحت عنوان (النقد)، حقًّا أصيلًا من حقوقه، وكذا تدور العناوين على الأطراف ويشتغل الطحن بلا هوادة، وكلُّه مُبَرَّرٌ (بالنقد) وحق التعبير عن الرأي و(الشفافية)!

أصبح عنوانُ (النقدِ) غايةً للتفريغ النفسي والنيل من الآخرين، ووُضِعَ هذا الواقع في إطار (الفضيلة الحضارية) التي لا تتقدَّم المجتمعات بدونها، وبالرغم من هذا الخلل العظيم في عمقنا الثقافي، إلَّا أنَّ معالجتَه أمرٌ يكاد أن يكون مستحيلًا؛ وجهةُ الاستحالة تعقُّد الحالة في عللها وإرجاعاتها، فنحن نعيش ضغوطات ثقافية ونفسية فوق ما نتصور، وما لم نتوقف بصرامة وحزم توقُّف محاسبة وازنة صادقة نرتفع معها عن ضيق المعادلات الدنيوية إلى سعة الحسابات السماوية.

عندَّما نُحِبُّ إنسانيتنا.. عندَّما نُحِبُ إسلامنا.. عندَّما نُحِبُّ أنفسنا..

عِندَّها فقط سوف ندرك أهمية انتقاء أدوات البناء الصحيحة، ولن نفرِّط في جهودنا تحت عجلات البينيات والتحزبات والجبهويات..

لا نحتاج إلى أكثر من حُبٍّ حقيقي يُحمل صِدقًا على انتماءاتنا الجامعة: الإنسانية.. الإسلام.. النفس.

 

السيد محمد علي العلوي

7 نوفمبر 2015 ميلادية

24 من المحرَّم 1437 هجريَّة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *