الرئيسية / مقالات / مراجِعُ الدين وجدليةُ (النقد)- 2

مراجِعُ الدين وجدليةُ (النقد)- 2

“أعتقد بأنَّ من المشاكل المُعَطِّلة عن الحلول قراءة المفردة دون التفات إلى سياقها الظرفي، فصاحب الخطاب الذي يسمَّى اليوم نقدًا ينظر إلى نفس ما لا يعجبه، ثُمَّ يقول: يجب عليه كذا، ويجب أن ينتهي عن كذا!

هذا خِطابٌ قاصِرٌ جِدًّا ولا علاقة له بالنقد لا من بعيد ولا من قريب..”.

هذا ما ختمتُ به المقال السابق ( http://main.alghadeer-voice.com/archives/3482 )، وهو يدور حول إسقاط البناء الثقافي والفكري الشخصي على الآخر فردًا كان أو جماعةً، فيكون البناء الخاص هو القاعدة التي يقاس عليها، وبالتالي فهو الميزان وما سواه (خطأ) إن لم يكن (ضلالًا) و(فسادًا وإفسادًا)!

انتقدَ بعضُ الأصدقاء ما أراه من ضرورةِ التفريق في أسلوب النقد بحسب المقام، فقد قلتُ:

“من المهم الانتباه إلى أنَّ المقال ينبغي أن يناسب المقام، فالخطاب النقدي الموجه إلى السياسي، يختلف عن مثيله الموجه إلى الفقيه، وهكذا ينبغي أن لا نغفل أهمية المقام في مجمل مقالاتنا وحواراتنا، بل وحتَّى فكرنا ونظرنا، فالنقد غير ممنوع، ولكِنَّ لسانه يختلف بحسب مجموعة من الاعتبارات التي تراعيها منظومة الخُلق الوازنة في التعاطيات المجتمعية”.

يرى المنتقدون أنَّه لا فرق في ميادين النقد بين مقام وآخر، ولكِنَّني أعارض هذا الرأي.

عندَّما يكون الحديثُ عن شخصية أو جهة سياسية أو تربوية أو ما شابه فنحن حينها أمام عناوين ترتبط بواقعنا المُعَاش في أبعاده الثلاثة (الماضي والحاضر والمستقبل)؛ فهناك قراءة للتاريخ تُنتِّج تحليلًا للواقع واستشرافًا للمستقبل، ومع المتصدين نعاصر مجموعة من الرؤى والنظريات وما نحو ذلك، وكُلُّها تؤثِّرُ في واقعنا وغدنا بلا أدنى شك. غير أنَّنا نتمكَّن من إحداث تغييرات وتحولات دون أن نفقد الكثير إلَّا في دوائر خاصة، فالقضية تبقى في حدود الدنيا، ولا نُنكر تعدِّيها لما هو أبعد، إلَّا أنَّه يبقى محكومًا بغيره من أسس دينية ندَّعي ثباتها، وهذه الأخيرة هي التي تجعلني مصرًّا على التفريق بين المقامات.

عندَّما يكون الحديث عن شخصية أو جهة دينية، فالأمر حينها يرتبط بمجموعة من الهويات التي يصعب فصلها عن الهوية العقائدية الدينية..

إنَّها مسألة دين.

ناهيك عن التأسيس الثقافي من أهل البيت (عليهم السلام) في خصوص ما يتعلَّق بالعلماء.

قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام):

“كان أميرُ المؤمنين (عليه السلام) يقول: إنَّ من حقِّ العالِمِ أن لا تُكثِر عليه السؤال، ولا تأخذ بثوبه، وإذا دخلتَ عليه وعندَّه قومٌ فسلِّم عليهم جميعًا، وخُصَّهُ بالتحيَّة دونهم، واجلس بين يديه ولا تجلس خلفه، ولا تَغمِز بعينك ولا تُشِر بيدك، ولا تُكثِر مِنَ القول: قالَ فلانٌ وقالَ فلانٌ خلافًا لقوله، ولا تضجر بطول صحبته، فإنَّما مَثَل العالِم مَثَل النخلة تنتظرها حتَّى يسقط عليك منها شيءٌ، والعالِم أعظم أجرًا من الصائم القائم الغازي في سبيل الله”. (الكافي للكليني، ج1، باب حق العالم).

ولخطورة هذا المقام نرى أنَّ نفسَ أهل البيت (عليهم السلام) قد حذَّروا من علماء السوء وأئمة الضلال، وبالتالي فليس كُلُّ من حَفظ واجتهد وأبدع من على كرسي الدرس والتدريس كان عالمًا بالمفهوم الذي يطرحه المعصوم (عليه السلام)!

نعم، قد قرَّر الأئمة (عليهم السلام) مجموعة من الصفات والعلامات تُمكِّنُنا من تمييز عالم عن عالم، ولكِنَّ المشكلة في نفس المُشَخِّص، لا في أدوات التشخيص.

ألا ترى أنَّ فقيهًا عالمًا يراه فريقٌ من المؤمنين المُجَسِّدَ الحقَّ لمقام النيابة في زمن الغيبة، ويراه آخرون من المؤمنين إمام إضلال وضلال؟

يسوق هؤلاء أدلتهم، ويسوق أولئك أدلتهم، ولا يخرج الفريقان عن حدود النصوص الشرعية، وبالرغم من ذلك فهم في كلِّ يوم يزدادون فرقةً وشقاقًا!

القضية في تشخيض المصداق، وهذا – في نظري- لم يكن مقصودًا للمعصوم (عليه السلام)، فهو لا يريدنا أن نشير إلى هذا وذاك بعناوين نُسقِطُها نحن باجتهاداتنا، ولكِنَّ الذي أراده -كما أفهم- هو المعرِفة المنتِّجة للحكمة، فعندَّما أعي واقع المصاديق الخارجية من جهة، وقصوري عن إصابة الواقع بتمامه من جهة أخرى، فإنَّني سوف أتعامل مع الخارج في حدود ما يقتضيه الاحتياط، فلن أُسلِّم عنقي لأحد، ولن أقف ضدًّا لأحد، ولكنني احترم مقام العلماء بما هو مقام وبما هو مفهوم، واحترامي للعلماء كافَّة إنَّما هو بما يترتَّب على احترام المقام، إلَّا أن يكونَ الفسادُ سافرًا من أحدهم، فهذا أمر آخر.

أميل بشكل كبير إلى تسمية زمن الغيبة بزمن (الاحتياط)، فقد وقفتُ على أنَّ النسبة الأكبر من مشاكلنا تبدأ من التشخيصات الخاطئة وترتيب الأثر عليها وتحولها بين الناس (الخصماء) إلى قناعات، بل ثوابت، ومن بعد ذلك ترتفع رايةُ العِزَّة وهي تأخذ أصحابها بالإثم، ثُمَّ يكون عنوان (النقد) ستارًا للضرب والتسقيط، وهذه المرَّة تسقيط علماء ومرجعيات، وبالتالي.. يسقط الدين من قلوب الناس، وهذه النتيجة طبيعية؛ حيث إنَّ اتصال الناس بالدين كان ولا يزال عبر أشخاص معينين، ففي البداية كان الأنبياء والرسل، ومن بعدهم الأوصياء، ثم العلماء الفقهاء، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “المتَّقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة”.

ملاحظة (احترازية):

لست أدعو لا لتقديس أحد ولا لرفع قلم النقد عن أحد، ولكنَّني أدعو فعلًا لفهم موضع المرجعية الدينية في الكيان الشيعي، وبحسب هذا الفهم يكون توجيه الخطاب الناقد وغيره.

في تصوري، أنَّ هذه المعادلة تعاني ضعفًا في مستوى حضورها بين عموم الناس، ولذلك نحن نعيش فتنة التفريط والإفراط، فهناك من لا يقبل توجيه النقد للعلماء أصلًا، وهناك من يجعلهم عرضة لمختلف أنواع ومستويات النقد ويساويهم مع غيرهم بدعوى حقِّ النقد.

هناك في الواقع من يستغل هذه الحالة استغلالًا احترافيًا دقيقًا، فيدخل بعناوين تحمل طابعًا جذابًا، مثل (النقد البنّاء وحرية الرأي ولا أحد فوق النقد) وما نحوها، فيبدأ الضربَ في واحدٍ، وبِه يُفتحُ الباب، ومن بعد ذلك فإنَّه لا حاجة لعدو يُزعزع أمننا الاجتماعي، فنحن من يقوم بهذا الدور دون مقابل، ولذلك نعاني اليوم تهديدًا حقيقيًا يواجِهُهُ بناؤنا الإسلامي.

نعم، نحن في حاجَةٍ إلى النقد دائمًا، وهي حاجة ضرورية تعمل عمل مقدِّمة الوجود للتقدم والتطور؛ فالنقد كما بينتُ في مقال (النقدُ.. غايةٌ أم وسيلةٌ؟ http://main.alghadeer-voice.com/archives/3470 ) هو القناة الرئيسية في عملية البناء والتقدم؛ والآلية التي يُحافَظُ بها على سلامة الجسد وتحسين نموه، وهذا رهين فهمنا له من مختلف جهاته وحيثياته، ومع ممارستنا للنقد دون رعاية لضوابطه فإنَّه ينقلب إلى أداة هدم وإضعاف، وخصوصًا إذا كان ميدانه علماء الدين ومراجع الطائفة.

في المقال القادم نناقش –إن شاء الله تعالى- الإجابة الثانية، وهي الرافضة لمبدأ النقد في هذه الدائرة من أصل.

السيد محمَّد علي العلوي

9 صفر 1437 هجريَّة

21 نوفمبر 2015 ميلادية

 

 

مراجِعُ الدين وجدليةُ (النقد)- 1

http://main.alghadeer-voice.com/archives/3482

النقدُ.. غايةٌ أم وسيلةٌ؟

http://main.alghadeer-voice.com/archives/3470 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *