الرئيسية / مقالات / مراجِعُ الدين وجدليةُ (النقد) – 3

مراجِعُ الدين وجدليةُ (النقد) – 3

في الوقت الذي يتجاذبُ فيه الناسُ موضوعَ النقدِ الموجَّهِ للعلماء ومراجع الدين بين موافقٍ ورافضٍ ومُوَجِّهٍ، نرى موجَةً واضِحَةً تُحَمِّلُ (العِمامَةَ) مسؤوليةَ مجموعةٍ من عناوين التراجع في الأمَّة، وتطالب بما تسميه كسرَ حاجز (التقديس) عنها، وقد حاولنا في المقال السابق مناقشة الرأي القائل بضرورة النقد، وانتهينا إلى أنَّ للعلماءِ حرمة قرَّرها المعصومون (عليهم السلام) في مجموعة من أحاديثهم، وقلنا بأنَّ هذه الأحاديث لا تمنع النقد، ولكِنَّها توجِّه نحو ضرورة احترام المقام ومراعاة ما يمثِّله عالم الدين في عقيدة المؤمنين، وأشرنا إلى أنَّ عدم مراعاة هذه الجوانب يؤدي –غالبًا- إلى خلق جبهات ضِدٍّ تُضَيِّعُ الغاية من النقد، بل وتُنتِّجُ نواقضَ لها.

في هذا المقال نُحَاوِلُ مُناقشَةَ الرأي الرافض لأصلِ فِكرَةِ نقدِ العلماء عمومًا ومراجع الدين على وجه الخصوص.

بداية، أرى من الضرورة بمكان معالجة مقولة (التقديس)؛ فهي مقولة تُستَعمَلُ في المهاجمة والمدافعة من نفس الجهة بحسب ما يقتضيه الحال وفي موارد كثيرة، حتَّى أنَّها تحولت بالفعل إلى مصدر قلقٍ علمي يُعطِّل الرأي الصائب ويحول بين الفكر وانعكاساته العلاجية في المجتمع.

قدس..

قال ابنُ فارس في مقاييس اللغة: “القاف والدال والسين أصلٌ صحيح، وأظنُّه من الكلام الشرعي الإسلامي، وهو يدُلُّ على الطُهر. ومن ذلك الأرض المُقدَّسة: هي المُطَهَّرة، وتُسمَّى الجنَّة حظيرة القُدْس، أي الطهر، وجبرائيل (عليه السلام) رُوُح القُدُس، وكلُّ ذلك معناه واحد؛ وفي صفة الله تعالى: القدُّوس، وهو ذلك المعنى، لأنَّه مُنَزَّهٌ عن الأضداد والأنداد، والصاحِبَة والولد، تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيرًا”.

لا شكَّ في التجوز عِندَّ استعمال كلمة (المُقدَّس) كوصف لبعض العلماء، فليس من أحد يقول بتحقق كمال القدسية في أحد من بني البشر غير المعصومين (عليهم السلام)، فقد قال الله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، وقال عزَّ وجلَّ: (فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لّا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ)، فالطهارة بمعناها الحقيقي لا يُحقِّقها العبد في نفسه بجهد خاص منه، ولكِنَّ المُحَقِّق لها هو الله سبحانه وتعالى (وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، (الْمُطَهَّرُونَ) –وليس (المُتَطَهِّرون-، إلَّا أن يُقصد منها الطهارة الشرعية، وهي ليست (التقديس) الذي نتحدَّثُ عنه.

وبالرغم من القطع بمجازية الاستعمال، إلَّا أنَّه يشكل حاجزًا ثقافيًا يمنع الإنسان من قبول مجرَّد التصور لخطأ يصدر عن الجهة التي (يُقدِّسُها)، وهذا حتَّى لو لم يُسبغ عليها الوصف؛ فحالة (التقديس) معنى يعيشه المجتمع بمختلف أطيافه، ولا يقتصر الأمر على المتدينين في نظرهم إلى العلماء والمراجع.

هناك من يُقدِّس جمال عبد الناصر، وهناك يُقدِّس صدام حسين، وهناك من يُقدِّس كارل ماركس، وهناك من يُقدِّس لاعب كرة القدم ميسي!

والدليل على تقديسهم لتلك الشخصيات أنَّهم لا ينتقدونها ولا يقبلون بنقدها، ويعتبرونه المنتقد لها عدوًّا أو متحاملًا أو ما شابه، في حين أنَّه لو تغيَّرت الثقافة، وأصبح حُبُّ الشخصية مُنتِجًا لعملية نقد علمية صحيحة لشهدنا تطورات إيجابية لجمال عبد الناصر وصدَّام وماركس وميسي، كل في خطِّه ومدرسته، ولتلافينا الأمراض بعلاجات واعية تنتقل بنا في مراحل التقدُّم والرقي برشاقة جميلة.

ثمَّة مشكلة حقيقية أودُّ الإشارة إليها، وهي نزعة الإفراط التي نعيشها في عموم سلوكياتنا، وهي نزعة نجدها حاضرة بقوَّة عندَّ فتح باب النقد على العلماء ومراجع الدين، فهناك من لا يتمكن من ضبط نفسه ومراعاة المقام لصياغة المقال، فبمجرد اندماجه في أجواء النقد ينفتح مُفرِّطًا في حكمة التوازن ومُفرِطًا في توجيه النقد، فلا تبقى حرمات ولا مقامات ولا شيء مما أوصى به المعصومون (عليهم السلام) وتُحَرِّض عليه معادلات التعقل.

في نظري أنَّ هذه المعضلة من نتائج الجبهات والإصرار على التحزبات والحسابات الفئوية، فهي بالنسبة لي واضحة في أفعال وردود أفعال.

قد أجد عذرًا لمن يرفضون فكرة توجيه النقد للعلماء ومراجع الدين، وهو ضعف المجتمع في فهمه للنقد وموازينه وكونه وسيلة يحتاجها الإنسان في عموم حياته إن أراد التقدم والرقي، وبسبب هذا الضعف أصبح النقد في مجتمعاتنا من مقدَّمات الشِقاق والعداوات والتنازعات والانقسامات المتتالية في الأقسام وأقسام الأقسام، وهذه الحالة تؤدي، بل أدَّت إلى ذهاب ريحنا (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)، ولذلك تشكَّل جوٌّ يرفض نقد ما يراهم صمام أمانٍ للأمَّة!

أُلفِتُ نظر القارئ الكريم إلى أنَّ الطرح في هذا المقال مبني على حسن الظن في مختلف الأطراف، وإلَّا فلرفض النقد في المورد محل الكلام له أسباب أخرى، ولكِنَّها طاردة بشكل مباشر لأخلاقية حسن الظن، كيف لا والأمر حينها يتعلَّق بالمواقع والمناصب والجبهات القيادية وما شابه؟

في الخلاصة آمل لو نتمكَّن من رفع الشعور بمسؤولية النقد الصحيح، وطلبه حُبًّا في انتماءاتنا وشوقًا للنضج والتطور، ومقدمة ذلك إصلاح الكفاءة الثقافية والفكرية في المجتمع، وعندَّها سوف يكون النقد مطلبًا للجميع وفي أجواء منفتحة عاقلة متَّزنة.

 

السيد محمد علي العلوي

28 نوفمبر 2015 ميلادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *