الرئيسية / خاطرة - كلمة - فكرة / يا بحرُ.. من أنت؟

يا بحرُ.. من أنت؟

c3883684d966c878f5171eb57dff5f18

ليست المرة الأولى التي أقف فيها على شاطئ البحر، وكذا فهي ليست الأولى التي تتجدد فيها ذهنية التأمل والتحليق على مياهه وفي أعماقه.. وربَّما فوق أبخرته..

يُذهلُني البحرُ، ولو كنتُ شاعرًا لما تركتُ كلمةً إلَّا وأثمرتُها لتُزهر ما بداخلي من عظيم انجذاب لمعارف هذا الخلق العظيم بسواحله وأمواجه وهدوئه وهيجانه.. بكل ما يتعلق به من عجائب لا تنتهي..

البحر..

إن كان في مزاج رائق لا يعانده هواءٌ ولا تعكِّر صفوه رياح، فهو قد يحملك بأمان على ظهره ليوصلك سالمًا إلى رمال الشاطئ فتحتضنك من بين ذراعيه العظيمين..

ولكِنَّه لن يتدخل لمنع وحشٍ يسكن أعماقه من أن يمزِّق جسدك ويهوي بك لُقمَةً يتنازعها الكبار، ويعيش على فتاتها الصغار..

لن يرفض وجودك..

ولكِنَّ أكفَّه لن ترحم جِلْدَكَ جَلدًا وصفعًا إذا كان بحرها في أطوار محاوراته الملتهبة مع الرياح العاتيات، ولن تقاوم كثيرًا..

يحتضِنُ في بطنِه ما نَعلم وما لا نعلم من مال وغذاء وزينة، كُلُّها بين يدي الإنسان يستخرجها متى ما شاء له البحرُ ذلك، وليس ينتهي العنادُ بالمتجرئ إلى غير الحسرة والندم، إن لم يكن أكثر، ما لم يسامحه السلطان!

أفهمُ البحر..

وفي لحظة أكتشف جهلي به، فأنا لا أفهم شيئًا من عجيب أمره..

عندَّما يَسبَحُ في هدوءٍ عظيم، أراه وديعَ الطِباع حكيمًا لا تستفزه جهالاتُ البشر..

ثُمَّ ترتفع منه تكبيرات الغضب، فتتعالى أمواجُه جبَّارةً تُكسِّرُ المنيع وتُحيلُ العظيمَ فتاتًا، فأراه كما كان في هدوئه.. حكيمًا، ولكِنَّ ثمَّة ما أغضبه..

من أين أبدأ؟

أتوق لقراءتِك قراءةَ وعي ومعرفة، ولكِنَّني سرعان ما أنكمش على نفسي خائبًا خجلًا..

لا أدري من أين أبدأ..!

إذا كنتُ معك أيا بحر جهلًا أعيشه فوق جهل، فما بالي مع من قال:

(قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا)

معه..

أرتمي في أحضان سكينةٍ تريحني، ومعها خوف ينهكني..

أراه عظمة ضخمة شامخة، وفي عمقها وداعة ورحمة وشفقة..

أقترب منه..

تلاعب مياهُه قدمي، ولكِنَّه على بُعد أمتار قد يلتهم جُثَّتي..

لا أدري.. أهو شوقٌ لاحتضاني، أم أنَّه فجأة كَرِهَ وجودي فأفناني..

أريد أن أفهم..

هل لي أن أفهم؟

ربَّما.. ولكِنني الآن.. لا أدري..

 

السيد محمد علي العلوي

12 ديسبمر 2015 ميلادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *