الرئيسية / مقالات / مُشكلتُنا مع اللغة

مُشكلتُنا مع اللغة

جوهرُ الشيءِ حقيقتُه دون نظرٍ إلى ما يعرض عليه، فلو سَلَّمْنَا بأنَّ حقيقة الإنسان هي الحيوانية (الحي) الناطقية (الإدراك الفكري)، وكنَّا جوهريين، فإنَّنا حينها نَزِنُه بحسب حقيقته، ونُصلِحُه بما يوافقها، بل ونقاوم الظروف التي تعاكسها، وأمَّا التطور فهي الحاكمة فيه مطلقًا، فيكون في طولها لا يحيد عن أُطُرها.

وهناك توجهٌ آخر لا ينظر إلى الجوهر، بل ولا يعترف به، ويراه مُعطِّلًا قاتلًا للانفتاح على آفاق التطور والرقي، وهو الاتجاه الذي يؤمن بسيرورة الأشياء مطلقًا، فلا شيء في نظره إلَّا وهو في مسلسل متتالٍ من التطور، وعلى الإنسان إزالة كل ما يعيق هذه الحركة الطبيعية، وقد أُطلِقَ على هذا التوجه مسمى (الحداثة)، فالحداثي هو الذي يسعى لإزاحة كلِّ ما يقف أمام حركة التطور الطبيعية -بحسب ما يعتقد ويرى-، وقد تقرَّر في بعض المدارس الحداثية أنَّ من أبرز المُعطِّلات لتطور الإنسان خماسية (الثقافة، الدين، الدولة، الأسرة، اللغة).
الحداثة، أو كما يُعبر البعضُ عنها بالعصرنة، هي حركة رافضة للثبات بِكُلِّ ما تحمل الكلمةُ من معنى، ومن هنا تدافعت دعواتُ الانطلاق النقدي واعتباره فوق كل العناوين، فلا يقف أمامه نصٌّ ديني ولا قيمة أخلاقية ولا غير ذلك، وهذه الرؤية لازمة حداثية ضرورية كما هو واضح.

أُشيرُ في هذا المقال إلى واحدة من الخماسية العدوة في نظر الحداثة، وهي: اللغة، وما يهمني هنا خصوص اللغة العربية التي ميَّز الله تعالى بها كتابه العظيم، فقال (قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ).

اللغَةُ اتصالٌ قِيَمي للإنسان بإبداعاته الفكرية، كما وأنَّها تُشكِّل العمقَ الثقافي الأهم فيه فردًا ومجتمعًا؛ إذ أنَّ السِمَةَ الأبرز في المجتمع الإنساني هي القدرة البالغة على التواصل اللغوي، وهذا التواصل مظهرٌ مُهم لقدرة الإنسان على جعل كُلِّ ما يحيط به مرتبطًا مفاهيميًا بذهنه وفكره، ولذا كانت اللغة هي الدلالة الأقوى على رسوخ ومتانة المجتمع، وكلَّما كانت اللغة دقيقة رشيقة، كلَّما دل ذلك على استعداداتها الإبداعية.

قد يقال: لم تشهد البسيطة لغة دقيقة رشيقة مثل اللغة العربية، وكان العرب في الجاهلية وبعدها ماهرين في ممارسة لغتهم نثرًا وشعرًا وحديثًا وتواصلًا، وبالرغم من ذلك فإنَّهم تميزوا عن غيرهم بأكثر العادات توحشًا وتخلفًا، فأي دور تقدمي لعبته اللغة في حياتهم؟

أُجيبُ: أُعزِّزُ هذه الدعوى بما قالته السيدة الزهراء (عليها السلام): “وكنتم على شفا حفرة من النار مُذقة الشارب ونُهزة الطامع وقبسة العجلان وموطئ الأقدام، تشربون الطرق وتقتاتون القد، أذلة خاسئين تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمَّد (صلى الله عليه وآله) بعد اللتيا والتي”.

عندما نتحدَّث عن العرب، فإننا لا نختزلهم في أعراب شبه الجزيرة العربية الذين قال الله تعالى فيهم (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا)، وقال (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ)، ولكننا نشير إلى حضارة عريقة أبدعت اللغةُ العربيةُ في إبرازها وإظهار معالمها..

هي لغةُ تكاد أن تُحضِرَ عين المدلول بين يدي المستمع، وهنا نموذج رائع:

قال تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)، والتقدير على نصب (كل) هو: إنَّا خلقنا كلَّ شيء خلقناهُ بقدر، فالخلق بِقَدَرٍ مستوعب لكل خلق، في حين أنَّه لو رفع (كل) لجاز أن يكون (خلقناه) نعتًا لشيءٍ و(بِقَدَرٍ) خبرًا لكل، ويكون المعنى: أنَّا ما خلقنا منه خلقناه بقدر!

تغير المعنى فدل الأوَّلُ على كون الخالق هو الله تعالى متفردًا، وأمَّا الثاني فموضوعه مقدور لكل أحد.

نموذج آخر:

لو قيل: بكم كتابك مطبوعًا؟ كان انتصاب (مطبوعًا) على الحال، والسؤال حينها واقع على ثمن الكتاب وهو مطبوع، ولكنَّ الرفع يجعل (مطبوع) خبر لمبتدأ وهو (الكتاب)، فيكون السؤال عن ثم خصوص الطبع.

(أنصح بمراجعة كتاب: معاني النحو، للدكتور فاضل السامرائي، وأمثاله من الكتب التي تتحدَّث عن معاني النحو والصرف وما شاكل).

إنَّها لغة مذهلة بكل ما تحمل الكلمةُ من معنى، وفي تعلُّمها عِزَّة لن نجدها في غيرها، ولكننا ابتُلينا بضربات نالتها وتنالها من الداخل قبل الخارج، فأوَّل ما يتلقاه الطالب في المدرسة رسالة مُفادها أنَّ علوم اللغة العربية جامدة!

وتأتي هذه الرسالةُ متناغمةً منسجمةً مع مجتمع يتقلَّب في تشوه لُغوي غاية في التعقيد، فهو لا يتحدَّث العربية، وإن تحدَّثها مثقفُوه وقادتُه فهي لحنٌ فيه قليل من لغة، لا لغة ملحونه!

فلنترك التقدم والحضارة وما شابه، ولنلتفت للقرآن الكريم وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، ولنطرح السؤال التالي:

إن لم نكن قادرين على فهم لغة الثقلين، فكيف لنا أنَّ نفهم مقاصد السماء؟ ثُمَّ بأيِّ حقٍّ نُنكِرُ هذا ونعترِضُ على ذاك؟ وهل يجوزُ لنا مناقشة ما لا نفهم لغته؟

ليس من الصحيح الحجر على الناس ومنعهم من الانفتاح على ما دُونَتْ فيه مصائِرُهم، ولكن ليس من الإنصاف أيضًا التسليم للخوض في قضايا دون تحصيل أهم أدوات فهمها، وهنا أريد التنبيه على أمر وبه أختم..

كذَّابٌ أشِر من يتقول الأقاويل على اللغة العربية ويتهمها بالجمود والجفاف، فهذا الذي يرمي مثل هذه الكلمات يعاني جفافًا في فهمه وجمودًا في روحه، وأمَّا لغة الضاد فهي محيطٌ من الماء الزلال.. جميلةٌ رشيقةٌ سهلةٌ، تنساب برقَّةٍ ولطفٍ فتسكن القلوب وتُنعِش العقول، وما علينا إلَّا أن نعقد العزم على تجاوز أوهامٍ خلقَها التخاذلُ وضخمتها مفاهيمُ الحداثَةِ والعصرنَةِ.

 

السيد محمد علي العلوي

26 ديسمبر 2015 ميلادية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *