الرئيسية / مقالات / بيوت مكَّة في كربلاء

بيوت مكَّة في كربلاء

يُفتي فقهاءُ الشيعة الإمامية بكراهة أن يُمنعَ أحدٌ من سُكنى دور مكَّة، بل وذهب بعضٌ إلى الحرمة كما حكي عن الشيخ الطوسي (قُدِّس سِرُّه)، وقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بظاهر قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) وموضع الاستدلال هو خصوص (سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ)، المُفسَّرَة بما قاله الإمام الصادق (عليه السلام) في حسنة الحسين بن أبي العلاء: “كانت مكَّة ليس على شيء منها باب، وكان أوَّل من علَّق على بابه المصراعين معاوية بن أبي سفيان، وليس ينبغي لأحد أن يمنع الحاجَّ شيئًا من الدور والمنازل“.

وقال (عليه السلام) في صحيحة المبختري

ليس ينبغي لأهل مكَّة أن يجعلوا على دورهم أبوابًا، وذلك أنَّ الحاجَّ ينزلون معهم في ساحة الدار حتَّى يقضوا حجَّهم”. وغيرها من النصوص.

وأنا أقرأ هذا البحث وأنظر في أوجه الاستدلال، خطر ببالي الكثير من مؤمني العراق في مواسم الزيارة وخصوصًا زيارة الأربعين، وهم يفتحون دورهم ويستعطفون الزوار رجاءً أن يلبي أحدُهم الدعوة ويدخل الدار ضيفًا عزيزًا كريمًا، واستذكرتُ قولَ الإمام علي بنالحسين (عليهما السلام): “اتَّخذ اللهُ أرضَ كربلاء حرمًا آمِنًا مُباركًا قبل أن يخلقَ اللهُ أرضَ الكعبة ويتَّخذها حرمًا بأربعة وعشرين ألف عام، وإنَّه إذا زلزل اللهُ تبارك وتعالى الأرضَ وسيَّرها رُفِعتْ كما هي بتربتها نورانيةً صافيةً، فجُعلتْ في أفضل روضة من رياض الجنَّة، وأفضل مسكن في الجنَّة، لا يسكنها إلاَّ النبيون والمرسلون، (أو قال : أولو العزم من الرسل)، فإنَّها لتزهر بين رياض الجنَّة كما يزهر الكوكبُ الدريُّ بين الكواكب لأهل الأرض، يغشي نورُها أبصار أهل الجنة جميعًا، وهي تنادي: أنا أرض الله المقدَّسة الطيِّبة المباركة، التي تضمَّنت سيِّد الشهداء وسيِّد شباب أهل الجنة“.

لم يحتج مؤمنو العراق توجيهًا شرعيًا بفتوى أو ما شابه ليكرموا زوَّار الحسين (عليه السلام)، ولكِنَّ عالِمهم المتبحر وعاميهم البسيط، والشيخ والصغير، والرجل والمرأة.. عاشوا الحقيقة وامتزجوا بها، فكانوا مظهرًا واضحًا جليًا لما جاء في كتاب الله العزيز وما عن أهل البيت (عليهم السلام)، وبهم تمَّ إثبات الثبوت، فبرزتْ كربلاء وفي أحضانها كل بقعة طاهرة مقدَّسة، دون حاجة لا إلى وزارة ولا إلى مؤسسة ولا إلى دولة، فالعقيدة الحقَّة تكفي، ومعدن الخير يفي، ونور أهل البيت (عليهم السلام) في قلوب الشيعة يحقِّق ما لا تُحقِّقه كنوز الأوَّلين والآخرين.

السيد محمد علي العلوي
22 ربيع الثاني 1437 هجريَّة

1 فبراير 2016 ميلادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *