الرئيسية / مقالات / الديموقراطية وحرية الرأي.. نقضٌ وحلٌّ

الديموقراطية وحرية الرأي.. نقضٌ وحلٌّ

الديموقراطية وحرية الرأي

تنتشر في العالم منظمات بدأت انطلاقتها الفعلية من بعد الأكذوبة العظمى والمسرحية الكبرى المسماة بالحرب العالمية الثانية، وهي منظمات (حقوق الإنسان) التي تعنى بالدفاع عن الإنسان بما هو إنسان ضد أيِّ نوع من الاضطهاد ومن أيِّ جهةٍ كانت؛ فكان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من كانون الأوَّل 1948م في واقعه إيذانًا بحقبة سياسية جديدة تحت قيادة اليد العليا لعصبة الأمم سابقًا والأمم المتحدة لاحقًا.

نفسُ هذه اليد التي أسست البُنية والبناء لحقوق الإنسان، أعطت لنفسها وبصياغة قانونية حقَّ النقض (VETO) على أي قرار يقدم لمجلس الأمن دون إبداء أسباب.

تفنَّنت واشنطن باستخدام حقَّ النقض في حماية الكيان الصهيوني وقطع الطرق أمام الفلسطينيين في حقِّ تقريرهم لمصيرهم، فقد جاء في مقالة حول تاريخ الفيتو واستخداماته: “ووقفت واشنطن 36 مرة في وجه قرارات تنتقد إسرائيل أو تطالبها بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 1967 وبعدها إلى جانب رفض قاطع لإدانة إسرائيل بسبب حرقها المسجد الأقصى أو اغتيال الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس عام 2004.

وعام 2011 أفشلت الولايات المتحدة مشروع قرار يدين الاستيطان الإسرائيلي رغم موافقة 14 عضوا عليه.

وقبل ذلك بربع قرن لجأت الولايات المتحدة لحق الفيتو عام 1976 ضد مشروعي قرار كانا يطالبان بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره”. (الجزيرة.نت، بتاريخ: 24/9/2011 م).

في الواقع لا يهمني ما يقوم به هؤلاء، فهم شياطين قد حذَّرنا الله تعالى منهم، بل من خطواتهم أن نتَّبِع، ولكنَّ الذي ينبغي الالتفات إليه هو حالة الانبهار الغريبة التي يعيشها بعضنا وهم ينظرون إلى الغرب وما يسوقون إليه من حريات وما شابه، وإذا ما نظروا إلى أمَّتِهم ساقوا إليها التهم والهجمات من فوق الحزام وتحته..

يرضون بالأمريكي والإنجليزي أن يمارس فعلًا مقولة (أرى ما لا ترون) فيُحرِّك حقَّه المبتدع في النقض ضدَّ أيِّ قرار دولي مهما بلغت نسبة الإجماع عليه، ومن دون تقديم أيِّ سبب، ولكنَّهم يرون التسليم لنصٍّ قرآني أو حديث عن معصوم أو رؤية لفقيه مجتهد عبوديَّة ورِقًّا واتِّباع أعمى!

يثيرون الفتن في كلِّ مكان، ويصنعون الطواغيت في مختلف البقاع، ثُمَّ يروجون لمغالطة قذرة مفادها (أنَّ لو لا من لم يقبل بالذل لما وُجِدَ الطاغوت)!

هذا كلام مغلوط جِدًّا، فليس من عاقل يقبل بطاغوت، ولكنَّهم يمارسون ضدَّ الإنسان أشد مستويات السفالة في التغيير الثقافي الجذري، فقد غيَّروا الموازين، وحكَّموا اللا قيمية والنسبية، فضاع كلُّ شيءٍ، وأصبح القيمي مُتَّهم مهدَّد بالسجن والتسقيط الاقتصادي والسياسي والشخصي والنفسي، وهذا يجري في معالجاتهم مع الكيانات والأشخاص على حدٍّ سواء.

نعم، هم يسمحون للفرد بإبداء الرأي وتسيير المظاهرات وممارسة حقِّ التجارة، وما نحو ذلك، فيرى الشرقيُّ الغربي حضارةً متحرِّكة، ولكنَّ الواقع أنَّ هذا الغربي ليس أكثر من تِرسٍ يدور في آلة رأس المال ولغاية واحدة بلا شريك، وهي زيادة ورفع مستوى الطاغوتية عندَّ الطاغوت.

هذا في مقام النقض على أكذوبة الديموقراطية والحريات التي أزكموا بها العقول قبل الأنوف، وأمَّا حلًّا، ففي الإسلام عندنا حقٌّ وباطلٌ، ولا يمكن القول بحرية الرأي مطلقًا، ولذلك قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)، فعن علي بن أسباط، عنهم (عليهم السلام): “المستقرين في الجهل، التابعين لإثارة أحكامه، إذ معارضة الجُهَّال جهلٌ وسفهٌ توجب طغيانهم في الجهالة والسفاهة، وازديادهم في الأذى والإهانة”.

فليس كل رأي محترم، بل أنَّ المؤمن مخاطبٌ بصيانة الواقع، فنهى عن حِفظ كتب الضلال، ونهى عن زواج المسلمة من غير المسلم، وعن زواج المسلم من غير المسلمة أو الكتابية، وأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأكثر من ذلك أنَّ من صفات المؤمنين أنَّهم أشِدَّاء على الكفار (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ)، فلا مساواة في التعامل بين المؤمن والكافر، ونفسُ هذا الأمر قائمٌ عندهم في الغرب، وإن تظاهروا بخلافه، ومن أبسط الشواهد أنَّ عشرات الألوف من المسلمين يقتلهم الإرهابيون ولا نسمع من الغرب أكثر من كلمة (قلق)، ولكن عندَّما وصلت يد التطرف إلى دارهم تغيرت المعادلة تمامًا!

ألستم قادة العالم ورعاة حقوق الإنسان؟

هل ضحايا المسلمين أدون من ضحايا فرنسا مثلًا؟

أُكذوبةٌ كبرى نعيشها زمنٍ بعيد، حوَّلتنا إلى مهرجين على مسرح الحدث العالمي، ففقدنا هويتنا الجغرافية والثقافية والإسلامية، وتحولنا إلى مدافعين أشدَّاء عمَّن يمارس مسخَنا بمعدَّل قرنٍ في الثانية!

عن جابرٍ، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): دعا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أصحابَه بمِنى، قال:

“يا أيها الناس، إنِّى تاركٌ فيكم الثقلين، أما إن تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنَّهما لن يفترقا حتَّى يرِدا عليَّ الحوض.

ثُمَّ قال: أيُّها الناس، إنِّى تارِكٌ فيكم حرمات الله، كتابَ الله وعِترتي والكعبةَ البيتَ الحرامَ.

ثُمَّ قال أبو جعفر (عليه السلام): أمَّا كتاب الله فحرَّفُوا، وأمَّا الكعبة فهدموا، وأمَّا العترة فقتلوا، وكل ودايع الله فقد تَبَّرُوا”.

وا أسفاه على شباب يُصِرُّون على انتهاك حرمات أنفسهم ضاحكين مستبشرين!

اللهم ثبِّتنا على ولاية محمَّد وآل محمَّد وإن كنَّا في نظر العالمين متخلِّفين رجعيين، فغدًا ينقشع الظلام، ويعلم كلٌّ مركوبَه أحصانًا كان أو حمارًا.

السيد محمَّد علي العلوي
24 من ذي القعدة 1437 هجرية

28 أغسطس 2016 ميلادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *