الرئيسية / مقالات / من أنا؟ من أنت؟

من أنا؟ من أنت؟

IMG_4629

كُلٌّ مِنَّا يعرِفُ الآخر معرِفةً بحسب مستوى القرب والانفتاح، ولكنَّ هذه المعرفة في الغالب هي معرفةٌ بوجود يُجَسِّدُ نتيجةَ مجموعة هائلة ومُعَقَّدة من الظروف التي دخلت وتدخل في التشكيل الأخلاقي والقيمي والسلوكي للإنسان مذ كان نُطفَةً وجنينًا فوليدًا فطفلًا وحتَّى ظرف المعرِفةِ التي نتحدَّثُ عنها، وغالبًا ما نصدرُ أحكامنا، إيجابيةً كانت أو سلبيةً.. هادئةً كانت أو عنيفةً، على من نعرفهم من خلال هذا الأفق من المعرفة، وهو كما أشرتُ قبل قليل، أفق النتيجة.

 

هذا عصبي، وذاك ساذج.. هذا كذَّاب، وذاك سفيه..

علاقات خارج الإطار الشرعي.. مخدِّرات.. احتيال..

 صِدقٌ.. أمانةٌ.. وفاءٌ.. شجاعة ومروءة وتضحية..

 قد تكون هذه الأخلاقيات والسلوكيات والسجايا بقرار اتُّخذ عن وعي وإدراك، وقد تكون نتيجة ظروف أحكمت قبضتها فصاغت إنسانها صياغةً تورَّمت فانفجرت عن مثل هذه السلوكيات وغيرها، وضعُف صاحِبُها عن معالجتها معالجة إصلاحٍ وتقويم، ولكنَّها في نهاية المطاف صنيعة ظروفٍ عاشها وكان لها الدور المحوري الأوَّل في تشكيل مقدِّماته الثقافية والسلوكية.

 

دعوني أُقرِّب الفكرة بمثال..

 يكره الأسوياءُ الكذِبَ، فهو سلوكٌ كريه يضرُّ بالعلاقات الاجتماعية مهما كانت قريبة..

 ولكن.. لماذا اعتاد فلانٌ على الكذب؟

وفي كثير من الأحيان يختلق قصصًا ومواقفَ لا أساس لها أصلًا!

 لماذا يا ترى؟

 

لا أملِكُ إجابةً واحدةً محدَّدة، ولكنَّني أعلم جيِّدًا بأنَّ ثمَّة مقدِّمات بيئيَّة تربويَّة قد انتهت به إلى هذه الحالة المرفوضة..

 يَكذِبُ لحالة مستمِرَّة من القلق يعيشها وقد لا يشعر بها..

 وربَّما لضعف في شخصيته.. وقد يكون الأمرُ راجعًا لعدم قدرته على الإنجاز والنجاح..

 لا بُدَّ من وجود مشكلة أو مشاكل في وقت ما، في ظرف ما، أدَّت إلى انفلات سلوكي ظهر في رذيلة الكذب..

 شخصٌ آخر مُتزوِّج من أربعِ نساء، ولا يعاني من مشاكل جادَّةٍ معهن، ولكنَّه لا يملك عينَه عن الجنس الآخر!

 ليس شرهًا ولا لاختلال في هرموناته الجنسية، ولكِنَّها حالة نفسية راجعة أيضًا لظروف أدَّت إليها..

 مَن مِنَّا لا يعرِفُ خطرَ المُخَدِّرات؟

أليس من الغريب أنَّه لا زال شبابٌ، ومن الجنسين، يلجون عالمها فيسلكون الطريق الأسرع نحو الضياع التام؟

 

لماذا يا تُرى؟

 هي الظروف البيئية التربوية..

 لا شَكَّ في أنَّنا لسنا بصدد تبرير الرذيلة، ولكنَّ الموضوعية تقتضي أن تكون قراءاتنا للواقع قراءة واعية وعن إحاطة واسعة وعميقة، والأمل دائِمًا أن نحمي أنفسنا وأولادنا من ظروف تنتهي بهم إلى مثل هذه العناوين المُفسِدة، وقد يكون هذا مُتَعَذِّرًا ما لم تكن تربوياتنا بالعمق المناسب للأهداف التي نرجوها.

 

أطرح هنا ثلاث نقاط على طريق إصلاح الواقع التربوي:

 الأولى:

على المجتمع أن يتوب توبةً نصوحًا من رفض المذنبين وأصحاب السلوكيات المعوجَّة، فنحن في حاجة لاحتضان بعضنا البعض حبًّا للإنسان وإصلاحه فردًا ومجتمعًا، وقد قال إمامنا الحسين (عليه السلام): “إنَّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أُمَّةِ جَدِّي”، والإصلاح عنوانٌ عامٌّ يشملُ ويستوعبُ مختلف مساحات الحياة، ومن أهمِّها الإنسان بما هو إنسان، وهذا متعَذِّرٌ ما لم نستوعب حالات الانحراف عن وعي وفهم يُنتِّج احتضانَ مُعالجَةٍ وإصلاح.

 

الثانية:

عندَّما نتحدَّث عن سلوكيات وثقافات وانحرافات الآخرين، فلا ينبغي أن نستثنيَ أنفُسَنا، ففي الواقع من الصعب والنادر أن يخلوَ إنسانٌ من خلل نفسي بشكل من الأشكال ومستوى من المستويات، ولذا، فمن الحكمة بمكان أن لا ننظر إلى الآخرين من فوق وكأنَّنا ملائكة نمشي على الأرض.

 

الثالثة:

إصلاح المجتمع مسؤولية الجميع، ومنَّا من تكون مسؤوليته عدم التصدي؛ فالتصدي يحتاج إلى حكمة وسعة صدر وطول بال، ومن يفتقر لمثل هذه السجايا عادة ما يكون أقرب إلى الإفساد منه إلى الإصلاح.

 وختامًا فإنَّ كلَّ واحدٍ منَّا يعيش معركة الإصلاح مع نفسه، وهي معركة خاسرة ما لم نكن صادقين في تقييماتنا الذاتية من جهة، والعزم على الإصلاح النفسي من جهة أخرى، وقد قال الله تعالى (يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلاَّ لا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ * يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ * بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ).

السيد محمَّد علي العلوي

2 من ذي الحجَّة 1437 هجرية

4 سبتمبر 2016 ميلادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *