الرئيسية / مقالات / هل للأشياءِ حقائقُ خاصَّة

هل للأشياءِ حقائقُ خاصَّة

IMG_4660

اشتغل الفلاسفة منذ زمن بعيد ببحث نسبة الحسنِ والقبحِ للأشياء، فمنهم من قال بذاتيتهما لها، أي أنَّ الشيء حسنٌ أو قبيحٌ في نفسه، فسواء وُجِد حامِلٌ عاقِلٌ أم لا، فالشيء في نفسه حسنٌ أو قبيحٌ، ومنهم من قال برجوعهما لافتراضات بشرية أعم من الدينية أو غيرها، وعند هؤلاء لا تتصف الأشياء لا بِحُسنٍ ولا بِقُبحٍ إلَّا بجعل جاعل خارجي، كالشارع الإسلامي وقبح شرب الخبر، وكالثقافة العامة وحُسن أن يكون الإنسانُ صادقًا.

 

إنَّ لنتيجة هذا البحث أهميَّة بالغة على مستويات الثقافة والفكر ومنظومة السلوك البشري؛ فكون الأشياء ذات حسن أو قبح مُكتسبين، فهذا يعني أنَّ الحسَنَ في زمان ومكان معيَّنين قد يكون قبيحًا في زمان ومكان آخرين، وقد يكون نفسُ الشيء متَّصِفًا عند طائفةٍ من المجتمعات بالحسن وعند غيرهم بالقبح، فتختل منظومة التواصل الاجتماعي بفقد القواعد المفاهيمية الواضحة، كما ولا يمكن إمضاء المحمولات القرآنية في غير المؤمنين بالقرآن كتابًا يُتَّبع.

 

ومن الآثار الاجتماعية لهذا المبحث الجاد، سلوكية النقل وفقًا للمذهب أو الانتماء الثقافي، كنقل عالم الاجتماع لحدثٍ ما، ونفس هذا الحدث ينقله مسلم شيعي ومسلم سنِّي، وينقله صحفي وسياسي واقتصادي، فالحدث واحدٌ ولكنَّ النقل يختلف باختلاف الزاوية التي ينظر من خلالها الناقل، وهي زاوية قد تكون وجودية مثل نقل مواكب عزاء أهل البيت (عليهم السلام) التي يتحدَّث عنها الشيعي كحدث عبادي تتحرَّك فيه الروح المؤمنة ودمعتها، ويتحدَّث عنها الاقتصادي كمشروع استثماري لبيع الملابس السوداء، والتبرع بأطعمه مع إعلان لمؤسسة تجارية، في حين يكون حديثُ عالِم الاجتماع من زاوية اجتماعية صِرفة.

 

وقد تكون زاويةُ النقل استحسانية استذواقية، كنقل بعضهم لمواكب العزاء في قالبٍ استهزائيٍّ ساخر، ونقل بعض آخر لها بصوت مفرط في المبالغة لمصلحتها، وهذا هو العنوان الذي يُحاول هذا المقال معالجته في سطوره التالية إن شاء اللهُ تعالى.

 

تدخل ثقافاتُنا وانتماءاتُنا وحالاتُنا النفسية في نظرنا لما هو خارج عنَّا، وقد يتضاعف هذا التدخل عندَّما نريد التحدُّث عنه، والأمثلة في هذا الصدد لا أكاد أحصرها، وفي الصورة العامَّة فإنَّ المؤيِّد للمشهد قد يراه راقيًا، وربَّما وصفه بـ(المقدَّس)، في حين أنَّ المعارضَ قد يراه (مُنكرًا)، وهذا أمر قد نتفهمه إذا ما نظرنا لمقبولية مستند كلٍّ منهما، ولكنَّ الذي نحتاج إلى النظر فيه نظرًا عميقًا هو أسلوب نقل المشهد، فبعض ينقلونه في قالب يؤثِّر في نفسية المحايد أثرًا لمصلحة التوجُّه الذي عليه الناقل، وآخرون ينقلونه في ضمن أجواء معاكسة تمامًا، وغيرهم قد ينقلونه في صورة لا نتوقَّعها لوكنَّها تصبُّ في صالح ما يحملون من أفكار!

 

هذا والحال أنَّ المشهد واحد، فهل هو في نفسه حسنٌ أو قبيحٌ؟

 

هنا لا بدَّ من الإلفات إلى بُعدٍ مهمٍّ في المسألة، وهو أنَّ تفكيك الأشياء يحيلها إلى بسائط لا توصف لا بالحسن ولا بالقبح، فلو أنَّنا عمِدنا إلى تفكيك القول الموصوف بالكذب لوجدناه كلامًا مثله مثل القول الموصوف بالصدق، ولو أنَّنا نُفَكِّكُ عملية القتل لوجدناه فِعلٌ من الأفعال لا أكثر، ولذا فإنَّ التفكيك في مقام تكوين القضايا العلمية مجانبٌ للموضوعية تمامًا، بل هو من أوسع بوابات السفسطة، لذا، فالنظر إلى الحدث ينبغي أن يكون على اعتباره وحدة واحدة تشكلها أطرافه المُحقِّقة لعنوانه الخاص، فالقول يعرض عليه المحمول من حيث نسبة مطابقته للواقع، فيقال: هذا صدق أو كذب أو صدق مشوب أو اشتباه أو ما نحو ذلك، والفعل كذلك، يعرض عليه المحمول من حيث كونه معروضًا لعنوان آخر، مثل: فعل الضرب.. فعل الكتابة.. وهكذا في المرحلة الأولى، ثُمَّ يُنظر إلى العوارض الأخرى الداخلة في تكوين الفعل المتحقِّق في الخارج، وهنا إلفات إلى بُعدٍ آخر..

 

يقعُ القتلُ تارةً بيد عادية، وأخرى بيد عادلة، فيكون الأوَّل جنايةً، والثاني قِصاصًا، وذاك لأنَّ ماهية فعل القتل باليد العادية ليست هي ماهية فعل القتل باليد العادلة، وهذا مبحث عميق أردتُّ الإلفات إليه لجعل الصورة أكثر وضوحًا.

 

يتحدَّث العقلاءُ بحكمةٍ يُبرزُها تكامل الأطراف المُحقِّقة للقضية موضوعًا ومحمولًا ونسبةً، ومنها جزئية أسلوب الكلام في مدلول النقل، فلو قال: جاء فلانٌ واستقبله فلانُ، وهو مبتسم فرِح، عُرِف أنَّ للمجيء والاستقبال عناوينَ أخرى تقع وراء هذا النقل، ومن هنا كان للأسلوب والصياغة والنفسية في حالة العلم بالمشهد وفي حال نقله أهمية بالغة تتجاوز مجرَّدَ النقل بكثير.

 

قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): “إنَّما المؤمنُ، الذي إذا غضِب لم يخرجه غضبُه من حقٍّ، وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، وإذا قدر لم يأخذ أكثر من مما له”.

 

ليس من الصحيح ادعاء سهولة الإمساك بناصية الحكمة في المشاهدة والنقل، فالأمر يحتاج إلى مؤهلات ذهنية ونفسية غاية في الرقي، ولكنَّ الذي ينبغي من المؤمن هو أن يحذر من الإلقاء بِتشَكُّلاتِه الاستحسانية والاستذواقية على المواضيع الخارجية إلَّا في الحدود الموضوعية الواضحة.

أُشدِّدُ مُكَرِّرًا..

 

ليس من السهل على الإنسان التجرُّد من خلفياته الثقافية والفكرية حال المشاهدة والتقييم والنقل، وخصوصًا إذا ما تعلَّق الموضوع بعقيدةٍ دينيَّةٍ أو سياسيَّة أو ما شابه، ولذلك أتوقَّف في مسألة الحديث (الموثَّق)، وهو الحديث الذي يرويه غير الشيعي الإمامي عن أحد المعصومين (عليهم السلام)؛ والسبب في توقفي هو نفس صعوبة التجرد المشار إليه، وخصوصًا إذا تعلَّق الأمر بأمر يخصُّ المذهب.

 

على أيَّة حال، إذا لم يتمكَّن المتحدِّث أن يتجرَّد حيث النقل، فالدور دور المتلقي أن لا يسلِّمَ نفسَه لأجواء النقل، خصوصًا إذا كانت الأداة من الأدوات الإعلامية التي يسهل فيها إدخال المؤثرات المرئية والصوتية، وهنا أذكرُ مشهدًا..

 

قبل بضع سنوات كنتُ أتجول في بعض المواقع الإسرائيلية، واستوقفني مشهدٌ لتفجير في ناقلةٍ لجنودٍ صهاينة..

رافقت المشهدَ موسيقى حزينة، وصور لكيس تناثرت منه فاكهة البرتقال، ودمية صغيرة ملوثة بدماء يدٍ قريبةٍ منها!

 

تصورتُ نفسَ المشهد في قناة تدعم المقاومة الفلسطينية، مع موسيقى (ثورية) وزغاريد النصر.. كيف يكون وقعه على نفسية المشاهد؟

 

أختم هذه السطور بإثارة مهمَّة..

 

وقع أميرُ المؤمنين عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام) بسيفه في خيبر على رأس مرحب اليهودي فوصل بالضربة إلى أضراسه..

 

ووقع بنُ ملجم في مسجد الكوفة على هامة الإمام علي (عليه السلام) بسيف مسموم..

 

هذه ضربة وتلك ضربة، ولكن..

 

ما هي مقتضيات الموضوعية في نقل المشهدين؟

 

كيف نُبين الحقَّ من الباطل، وكيف نُبرِزُ الحسنَ لنميزه عن القبيح؟

 

هذا بعيد المنال، ما لم يتحقَّق الوقوف على ذاتيات الأشياء لاستيعاب العارض عليها من حسن أو قبح.. (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ).

 

 

    

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *