الرئيسية / خاطرة - كلمة - فكرة / بين يدي العقل (٢)

بين يدي العقل (٢)

2016-09-29-10-41-08

خطباء المِنبر الحسيني..

رجالٌ ونساءٌ موفَّقون للمساهمة المحورية في إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام)، كما وأنَّهم من المتعرِّضين لرحمة الله تبارك ذكره، على اعتبار (رحِم اللهُ من أحيا أمرنا).

يواجِهُ الخطباءُ مشكلةً ذات بُعدين، بعد نفسي ذاتي، وبعد تقييمي خارجي، ولتوضيح القصد أُقدِّم بالتالي:

الخطيب الحسيني على أربعة أصناف رئيسية:

الأوَّل: باحث دون رأي خاص.

وهو الذي يتقصَّى الآراء في موضوع البحث، فيجمعها ويطرحها بتسلسل ووضوح على المستمعين، مع ذكر أصحابها ومصادرها وما أُورِد عليها.

الثاني: باحث وصاحب رأي خاص.

وهو الذي يتقصَّى الآراءَ في موضوع البحث، فيجمعها ويقيِّمها ويناقشها وما أُورِد عليها، ثُمَّ يُرجِّح رأيًا أو يطرح رأيه الخاص.

الثالث: ناقل للسيرة فقط.

وهو الذي يتقصَّى السيرة من المصادر المُعتبرة ويطرحها بتسلسل وبحسب المناسبة مع شيء من الشرح والتوضيح.

الرابع: الناعي فقط.

وهو الذي يُوَظِّفُ شيئًا من السيرة والأحداث بشكل عام لخدمة المصيبة ويطرحها لإثارة القلوب من باب (احزنوا لحزننا).

تجتمع هذه الأصناف وغيرها في عنوان مهم جدًّا، وهو عنوان (المنهج العلمي) الذي ما إن يخلو منه منبرٌ حتَّى سارع له الخلل من جهات مختلفة، ولذا فإنَّه لا غِنى عن (المنهج العلمي)، وخصوصًا في هذا الزمن الذي يتَّسِم بالكثير من التحدِّيات الخطيرة.

نحن في الواقع نحتاج حاجة عميقة للباحث الناقل، والباحث ذي الرأي، وناقل السيرة، والناعي، وهذه الحاجة نابعة من اختلاف المشارب والمستويات الفكرية والثقافية، كما وأنَّها تنبع أيضًا من الحاجة الخاصة لكلِّ فرد في مثل هذه الأيَّام العظيمة، فقد يحتاجُ عالِمٌ للدمعة فقط، وقد يكون غيره في حالة من العطش للتعرُّف على السيرة الصحيحة، وهكذا..

تقع المشكلة النفسية الذاتية عندَّما يقلُّ اتقانُ الخطيب في فهمه وتشخيصه لقدراته، ويتبع ذلك دخوله في دائرة لا تناسبه، فيرتقي المِنبر باحثًا صاحب رأي، وهو في الواقع قد يكون باحثًا متقصِّيًا فقط، ولكنَّه لا يتمكَّن من ناصية المنهج العلمي في التقييم والنقد والإيراد والمناقشة والترجيح وطرح الرأي، فتبدأ المشكلة..

وقد يرتقي المِنبرَ ناقلًا للسيرة، ولكنَّه يغفل عن أهمِّية استقائها من مصادرها المعتبرة، كما ولا يولي الاهتمام المناسب بالإرجاعات وتحقيق المعلومة، فينقل قولًا أو حادثة بنسبة خاطئة، وتكثر مثل هذه الأخطاء، وتبدأ المشكلة..

فما نرجوه من سادتنا الخطباء الوقوف الواضح على بلاغة وعمق قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لكميل بن زياد: “ياكُمَيْلُ، مَا مِنْ حَرَكَةٍ إِلَّا وَأَنْتَ مُحْتَاجٌ فِيهَا إِلَى مَعْرِفَةٍ”.

أمَّا البُعد الآخر من المشكلة فهو تراجع بعض المؤمنين في القدرة على تشخيص قدرات الخطيب المنبري، فيحملون على الباحث ما يُحمل على غيره، وعلى الناعي ما على سواه، ومن هنا يقع الخطيبُ تحت ضغط نفسي يترك آثارًا سلبية ترجع بضررها على نفس المنبر الحسيني.

ولذا، فما نرجوه من المؤمنين هو التأني وسعة الصدر والحذر من تحميل الأمور ما لا تحتمل.

مع صادق الدعاء
السيد محمَّد علي العلوي
24 من ذي الحجَّة 1437 هجرية

26 سبتمبر 2016 ميلادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *