المضائف والإطعام

المضائف والإطعام

أهلًا بالأكارم..

آمل من الإخوة والأخوات التفضُّل بقراءة مداخلتي كاملة؛ فموضوع المضائف والإطعام أخذ في معالجته منعطفًا غير جيِّد، ونحتاج لقراءة الحالة من زاوية، أو زوايا مختلفة..

الكثير من المداخلات الجميلة من الأحبَّة، جاءت كلُّها رافضة لمظاهر (الإسراف) في الإطعام العاشورائي وما تقوم به المضائف من تشجيع عليه، ما عدا واحدة كانت لها وجهة نظر أخرى، مع اتِّفاقها في النتيجة مع باقي المداخلات.

تردَّدت عبارة مُلفِتة في رسائل الأحبَّة، وهي: لقد فقد المحرَّم فيمته العالية، وأمسى عبارة عن بطن ولطم!

بشكل عام أظهر الإخوة والأخوات استياءً كبيرًا من هذه الحالة.

فلتسمح لي عقولُ الإثراءِ أن أختلف معها في تشخيص وفهم حالة ما يرونه إسرافًا في مظاهر الإطعام وما تقوم به المضائف، وهنا توضيح لوجهة نظري:

أوَّلًا:  عندَّما نتعامل مع أيِّ ظاهرةٍ اجتماعية، فمن المهمِّ الالتفات بعناية إلى جهة إسنادها، وكلَّما كانت قريبة من العقيدة، أي عقيدة كانت، دينية أو سياسية أو اجتماعية أو نَسَبِيَّة أو غير ذلك، كلَّما اتَّخذت لونَّا تقديسيًّا بحجم انعكاسها على شخصية صاحبها انعكاس هويَّة ووجود.

توضيح بمثال:

فلنفترض شخصًا لا قيمة له بين الناس، ولا يُعرَفُ عندَّهم بغير كونه تمَّارًا -مثلًا-، فإنَّ هذا الشخص يرى التمر وصناعته هويَّة له، فلو تمكَّن الإنسان من اختراع آلات لصناعة التمر، فإنَّه سيحاربها بكل ما يمتلك من قوَّة، والسبب هو أنَّ صناعته للتمر هي في الوقع هويَّته، لو فقدها فقد نفسه.

وهكذا فإنَّ المعروف بتدينه وتقواه، يرى في ذلك هويَّة له، فلا يقبل بما يهدِّد تدين المجتمع من منظومات ثقافية جديدة كالليبرالية والعلمانية والحداثة وما شابه؛ إذ أنَّ تعلَّقه بالدين تعلَّق وجود وهوية، إلَّا أن يتقدَّم في تدينه فلا يعتني بما يؤول إليه المجتمع ما دام هو قد قبض على جمرته واثقًا مستقرًا.

علينا أن نبحث في بواعث الإطعام في عاشوراء، ودلالات المبالغة فيه، فالقضية ليست فقدان لفهم عاشوراء، بقدر ما هي ميدان واسع لمحاكاة الذات بهوية مهدَّدة طول العام، فأرجو تأمل هذه الحالة جيِّدًا.

ثانيًا: في قضية الإطعام بُعد نفسي تديني ينبغي الانتباه إليه بعناية فائقة، وهو عدُّها من سبل التقرُّب من الله تعالى وطريقًا لتكفير الذنوب، خصوصًا وهو مسندٌ في فعليَّته إلى التوفيق والقبول من الإمام الحسين (عليه السلام)، وليس من الصحيح توجيه نقد حاد لمن يرى سعته النفسية في بعدها التديني حاضرة في مثل الإطعام.

ثالثًا: في تصوري القاصر، أنَّ مظاهر الإحياء بشكل عام راجعة إلى الطبيعة الثقافية للشخص، فهناك من لا يبحث في عاشوراء عن غير المادة العلمية، وهناك من لا يهتم بغير البكاء، ومن الناس من يرى تأدية الواجب في اللطم والمشاركة العزائية المواكبية، وفئة رابعة تجد نفسها في مجالات الفنِّ من رسم وشعر ونحت وما نحو ذلك، ولا شك في وجود من يهتم بأكثر من مظهر إحيائي، ولكن، هناك من لا يتفاعل مع غير المضيف ومباشرته الجماهير بلفِّ فطيرة أو طبخ أو صبِّ شاي أو ما شابه.

تغيير المظهر رهين تغيير الثقافة، ومن المحتمل قويًّا أنَّ المنشغل بالطبخ والعمل في المضائف، لم ينجَّح المأتم في كسبه، وهذه مسألة تحتاج منَّا إلى تفكير عميق.

رابعًا: في الغالب، أنَّ المشاركات تأتي من نذورات وما شابه، وهي بشكل مفرد لا إسراف فيها، ولكنَّ اجتماعها يُوجِد كمَّا يتجاوز الحاجة، وهنا يحتاج المنتقدون ما يُقنعون به المباذلين بشكل عام، وأصحاب النذور بشكل خاص، بوجود خيارات أخرى غير الإطعام، ولن يكون هذا سهلًا ما لم تتغير المنظومة الثقافية للمجتمع.

خامسًا: الإسراف في عاشوراء، إن قلنا به، فهو ليس من المفاهيم الجزئية، بل هو مفهوم كلِّي من مصاديقه هذا المظهر في عاشوراء، وليس من الحكمة معالجة المصداق؛ حيث إنَّه مجرَّد حالة تحقُّقية لمفهوم أكبر، هو: الإسراف.

ولو افترضنا نجاح الحملة الناقدة، فإنَّه في الواقع نجاح وهمي؛ إذ أنَّ الحاصل هو ارتفاع هذا المظهر من هذا المكان وفي هذا الزمان، ولكنَّه حتمًا سوف يجد لنفسه مكان آخر يظهر فيه، وبالتالي فإنَّ الحملة لن تحل المشكلة.  

سادسًا: نحتاج في بعض المواقع لنقد حاد، وليست مظاهر عاشوراء، صحيحة كانت أو بحاجة إلى تصحيح، من هذه المواقع، فقد أثبتت التجارب وعلى مدى مئات السنين، أنَّ المواجهات النقدية الحادَّة في خصوص هذا المورد تأتي بنتائج عكسية تمامًا.

نسأل الله تعالى الخير والصلاح..

السيد محمَّد علي العلوي
8 من المحرَّم 1438 هجريَّة

10 أكتوبر 2016 ميلاديَّة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *