المصادمة

2 (1)

عظَّم اللهُ أجوركم، وأحسن لكم العزاء..

المصادمة..

هي عقليَّةٌ لا تتمكن أن ترى من غير زاوية واحدة، وبالتالي، فأيُّ وجودٍ لموجودٍ غير الذي يقع تحت نظر زاويتها، فإنَّها تراه تناقضًا، فتُصادِم!

كلُّ الشيعة يرونَ الحسينَ (عليه السلام) منهجَ حياة، ولكنَّ التفاوت يأتي في مقام الممارسة والعمل، فهناك من يعيش الحسين (عليه السلام) في حياته بنسبة ١٪‏، وهناك من يعيشه ٥٪‏، وهكذا، كلٌّ بحسب استعداداته وقابلياته التي تتحرَّك سعة وضيقًا وفقًا للتجديد والتطبيق في بناءات نفس الشخص.

بعضُ المؤمنين يردِّدون بشكل مستمر، أنَّ الحسين (عليه السلام) ليس للنياحة والعويل، ولكنَّه فِكرةٌ ونظريّةٌ ومنهج..

نعم، هذا صحيح بلا أدنى شكٍّ، وليس من شيعي إلَّا ويقول به عن قناعة وإيمان، وإنَّما المشكلة في كيفية تحريك النصوص الحسينية العلمية تحريكًا تحليليًا وتنظيريًا، وتحويل ذلك إلى مناهج تربوية واجتماعية وما شابه.

هنا، انتبه..

إنَّ التقصير في جانب التحريك العلمي والمعرفي لا يعني على الإطلاق الاصطدام والمصادمة مع مظاهر العويل والنياحة وما شابه.

نعم، قد يكون هناك تقصير في الآلية التنظيمية، وخصوصًا حصر القضية الحسينية في شهري المحرَّم وصفر، وتركيزًا في العشرة الأولى من الأوَّل، غير أنَّ هذا لا علاقة له من الجهة العلمية بمسألة البكاء والعويل والنحيب، إلَّا أن يقال بإحلال هذا مكان ذاك!

هنا تحكم النصوص، فالدمعة، بل والمبالغة فيها، ليست بِدعًا من الأفعال..

فلندقق قليلًا..

* عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
“نَفَسُ المهمومِ لظلمنا تسبيح، وهمُّه لنا عبادة، وكتمان سرِّنا جهادٌ في سبيل الله.
ثُمَّ قال أبو عبد الله (عليه السلام): يجبُ أن يُكتبَ هذا الحديث بالذهب”.

وقد تحدَّثتُ في رسالة سابقة عن هذا الحديث، أرسلها ثانية  إن شاء الله تعالى لمن يطلبها.

تعالوا لهذه الرواية ذات المضامين العالية:

* عروة بن الزبير، قال:
“سمعتُ أبا ذرٍّ، وهو يومئذٍ قد أخرجه عُثمانُ إلى الربذة، فقال له الناس: يا أبا ذر، أبشِر، فهذا قليل في الله تعالى.
فقال: ما أيسَرَ هذا.

ولكن، كيف أنتُّم إذا قُتِل الحسينُ بن علي قتلًا، أو قال: ذبحًا، والله لا يكون في الإسلام بعد قتل الخليفة أعظم قتلًا منه، وإنَّ الله سيسُلُّ سيفه على هذه الأمَّة لا يغمدُه أبدًا، ويبعثُ ناقمًا من ذرِّيَّته فينتَّقم من الناس.

وإنَّكم لو تعلمون ما يدخُلُ أهلَ البحار، وسُكَّانَ الجِبال في الغِياض والآكام، وأهلَ السماء من قتله لبَكيتُم واللهِ حتَّى تزهق أنفسُكم، وما من سماء يمرُّ به روحُ الحسين (عليه السلام) إلَّا فزِعَ له سبعون ألف مَلَكٍ، يقومون قيامًا تُرعِدُ مفاصلُهم إلى يوم القيامة، وما من سحابة تمُرُّ وتُرعِدُ وتُبرِقُ إلَّا لعنت قاتِلَه، وما من يومٍ إلَّا وتُعرض روحُه على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فيلتقيان”.

لاحظوا.. لو علِمنا، لزهقت نفوسُنا!

ودونكم كتاب كامل الزيارات لابن قولويه القمِّي (المتوفى ٣٦٨ هجريَّة)، ففيه من النصوص في كونيَّة مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) ما يوقفنا على غائيَّة الدمعة الغزيرة واللوعة العظيمة على هذا المصاب الذي يعيشه الكون بأسره.

لا بدَّ لنا أيُّها الأكارم، إن أردنا التكامل في تعقُّلاتنا وأفهامنا، من الانفتاح الجادِّ على حديث العِترة الطاهرة، وحينها فقط، سوف نفهم الكثير من المعادلات بين حِكمةٍ مُنتِّجة، وحِكمةٍ مُنتَّجة.

السيد محمَّد علي العلوي
ليلة العقيلة زينب (عليها السلام)، ليلة الحادي عشر من المحرَّم 1438 هجريَّة

12 أكتوبر 2016 ميلاديَّة

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *